عبدالرحيم خميس العدوي
“نصنع المعرفة لأجل المستقبل” على هذا أجمع مؤسسو ومستفيدو مركز الندوة الثقافي في رؤيهم الجديدة، بشراكة مجتمعية نظمها العاملون في المركز، بحيث تكون استراتيجية المركز الجديدة نابعة من المجتمع لخدمة هذا البيت المعرفي لأجل مستقبل أبنائهم.
بَنى المُلوكُ دُوَلاً فَانهَدَّ قائِمُها وَدارَتِ الدَهرُ بِالأَحبابِ وَالدُوَلِ
بيت أبي العلاء المعري يشير إلى أن الدول العظيمة تنهار إذا لم يحافظ أبناؤها على أمجادها.
ومن هذا الدافع، هَمَّ مجموعة من شباب بَهلا ليعيدوا لها مجدها العظيم، فكيف يرضون لبهلا أن تكون خاوية من المكتبات، وهي المدينة التي أنجبت جهابذة في شتى العلوم، وقادة أصبحوا سلاطين وأئمة حملوا راية عُمان؟! من هنا جاءت فكرة إنشاء مكتبة والتي تحولت فيما بعد إلى مركز يُعيد بهلا في المسار الذي بدأه أسلافهم، لتكون منارةً للعلم والمعرفة كما كانت في الماضي.
تسعة وعشرون عاماً ونيف من الأشهر ومركز الندوة الثقافي يتربع عرش الصرح العلمي والثقافي في ولاية بَهلا، مرجعاً لأهل العلم من عُمان وخارجها. منذ أن نشأت الحاجة إلى غرس قيمة القراءة في المجتمع البهلوي، حتى أصبح تلامذة المركز يجوبون أرجاء عُمان، حاملين لواء العلم، ورموزاً للمعرفة في مختلف المجالات.
ولكوني واحداً من تلاميذ الجيل الرابع لمركز الندوة الثقافي، فقد نهلت من هذا الصرح العلمي علماً غزيراً، وانتفعت بمعارفه، فكان له أثر عظيم في مسيرتي الثقافية.
واليوم، يقف المركز على أعتاب مرحلة من التطوير والتجديد، مستنداً إلى استراتيجية واضحة تعزز من دوره الريادي في المجتمع.
من أجل مواصلة مركزة الندوة الثقافي لدوره الريادي في المجتمع، جاءت استراتيجيته لتحدد الرؤية والأهداف والمسارات التي تعزز من مكانته كمؤسسة معرفية تواكب التغيرات الحديثة، حيث تتجسد رؤية المركز في عبارة “نصنع المعرفة لأجل المستقبل”، وهي رؤية تعكس التزام المركز بتعزيز دوره في نشر الثقافة والمعرفة.
تسعى رسالة المركز إلى “المساهمة في صناعة المعرفة من خلال برامج ثقافية متنوعة، وتوظف التقنيات الحديثة عبر شراكة مجتمعية تُرسخ الهوية العمانية وتنطلق نحو العالمية”. وللمركز قيم وثوابت يتسمك بها، مما جعلته مواصلاً دوره الريادي؛ هذه القيم والثوابت تشمل: الهوية العربية الإسلامية، والبعد الإنساني، والشراكة المجتمعية، والتنويع الثقافي، والتجديد والتطوير.
تحدد الاستراتيجية الجديدة الأولويات التي تشكل خارطة الطريق لمستقبل مركز الندوة الثقافي والتي تشمل:
التواصل الثقافي
يعمل المركز على مد جسور التعاون مع المؤسسات البحثية والجامعية والمراكز العلمية داخل السلطنة وخارجها، واستقطاب الكوادر الثقافية والإبداعية لدعم المشاريع المعرفية.
التراث المادي وغير المادي
منذُ نشأت المكتبة حتى أصبحت مركزاً؛ كان جمع المخطوطات والوثائق وفهرستها وتحقيقها ونشرها من أعمال القائمين على مركز الندوة الثقافي، بالإضافة إبراز المكونات الثقافية لمجتمع ولاية بهلا.
البحث العلمي والنشر
إعداد البحوث والدراسات في الجوانب المختلفة المتعلقة بالحضارة العمانية، وتكوين نخبة من الباحثين العمانيين القادرين على رصد الظواهر الثقافية ودراستها بالمناهج العلمية، وتوفير البنية الأساسية الملائمة لإعداد الدراسات والأبحاث.
الفعاليات والمبادرات الثقافية
إقامة الندوات والمؤتمرات والفعاليات الثقافية والعلمية، وترسيخ الهوية الثقافية، وتعزيز الصناعات الثقافية.
التجديد والتطوير
يأتي إنشاء المبنى الجديد من أولويات مركز الندوة الثقافي في الأعوام القادمة، وهذا الإنشاء الجديد سيساعد على تفعيل وسائل التواصل الإعلامي الحديثة، مما سيظهر مكونات ومواد المركز بشكلها الرقمي المواكب لمتطلبات العصر الحديث.
اللغة والترجمة
ترجمة الكتب ونشرها وتنفيذ فعاليات ذات صلة باللغة والترجمة والمشاركة فيها، والبحث عن الشراكة مع المؤسسات التي تعنى باللغة والترجمة من أولويات الاستراتيجية الجديدة لمركز الندوة الثقافي.
الطفل
العناية بالطفل من حيث توفير البيئة المناسبة لإبداع الطفل وتشجيعه على الكتابة وعمل الفعاليات التي تطور وتنمي قدرات الطفل.
إن الحديث عن استراتيجية مركز الندوة الثقافي ليس مجرد استعراض لخطة عمل، بل هو تأكيد على دورنا جميعًا في تعزيز المعرفة وإحياء التراث الثقافي لبهلا وعُمان بشكل عام. فالمعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية، والمضي قدمًا بهذه الرؤية يتطلب جهودًا جماعية من كافة أفراد المجتمع، حتى نحقق الحلم الذي بدأه الأوائل، ونجعل من بهلا مركزًا للمعرفة كما كانت في عصورها الذهبية.
