زهراء بنت حمد العجمية
في عَتَمَةِ هذا العالَمِ المملوءِ بالضوضاءِ والتشتُّتِ، يبرُزُ نوعٌ من القُوى الخَفِيَّةِ التي لا يُدرِكُها الكثيرون، ولكنَّها تَنسابُ بهُدوءٍ كالنَّهرِ العميقِ تحتَ سطحِ البحرِ. إنَّها القُدرةُ على أن تَرى ما لا يُرى، وتَفهَمَ ما لا يُقال، وتَظلَّ هادِئاً كالسُّكونِ في وسطِ العاصفةِ. ليس بالضَّرورةِ أن تكونَ الأقوى، ولكنَّكَ بالتأكيدِ الأكثرُ توازُناً؛ لا تُزعزعُكَ الرياحُ ولا تهزُّكَ الأمواجُ. تلكَ هي اللحظةُ التي تتَّضِحُ فيها المعالمُ، حيثُ تكونُ قادراً على الحفاظِ على هدوئِكَ وسطَ العواصِفِ التي تجتاحُ الآخرين.
الذَّكاءُ العاطفيُّ ليسَ مجردَ إدراكِ المشاعِرِ، بل هو تلكَ القُدرةُ العميقةُ على تجسيدِ الفَهمِ في لحظاتِ غموضِ مشاعِرِنا المتشابِكةِ، كما لو أنَّكَ تخترقُ الأبعادَ اللامرئيةَ بينَ العقلِ والقلبِ. هو أن تُصبحَ على درايةٍ بتلكَ القُوى غيرِ المحسوسةِ التي تدفعُنا نحوَ التصرُّفاتِ، وتتحكَّمُ بقراراتِنا، في حينِ أنَّ العقلَ وحدَهُ قد يضلُّ الطريقَ. أنتَ لستَ مجردَ ردَّةِ فعلٍ أمامَ الأحداثِ، بل أنتَ القادرُ على التحكُّمِ بها، على تسخيرِ العواطِفِ وتوجيهِها مثلَ الرياحِ التي تقودُ السفينةَ في بحرٍ متلاطمٍ.
الذي يمتلكُ الذَّكاءَ العاطفيَّ هو الذي يعرفُ كيفَ يلتقِطُ النبضاتِ الصغيرةَ التي تنسابُ بينَ الكلماتِ، كيفَ يقرَأُ بينَ سطورِ الأرواحِ قبلَ أن تُكتَبَ. هو الذي يستطيعُ أن يَرى الظِّلالَ في أعينِ الآخرينَ، ويُدرِكُ المعانيَ المخفيَّةَ وراءَ الابتساماتِ المشوَّشَةِ. هو ليسَ مجردَ مُتابِعٍ للأحداثِ، بل هو صانعُ توازُنٍ داخلَ نفسِهِ، يُحوِّلُ الحزنَ إلى قوَّةٍ، والغضبَ إلى إلهامٍ، ويجعلُ من التوتُّرِ سُلَّماً للارتقاءِ. هذا الوعيُ العميقُ داخلَ النفسِ وفي الآخرينَ يُعزِّزُ قُدرتَكَ على فهمِ ديناميكيَّاتِ العلاقاتِ وتوجيهِها بشكلٍ يضمنُ السكينةَ والانسجامَ. الأشخاصُ الذين يَملِكونَ هذه القُدرةَ يَسيرونَ في الحياةِ كأشخاصٍ مُستنيرينَ لا يتأثَّرونَ بالضبابِ الذي يُعيقُ رؤيةَ الآخرينِ.
إنَّهُ لا يَقتصرُ فقط على فَهمِ الذاتِ، بل يتضمَّنُ أيضاً فَهماً مُتقناً للآخرينَ. هو القُدرةُ على بناءِ روابطَ اجتماعيَّةٍ مَبنيَّةٍ على التفاهُمِ العميقِ، وتحليلِ المواقِفِ من زوايا مُتعدِّدةٍ لتجنُّبِ سوءِ التفسيرِ. هؤلاءِ الأشخاصُ يمتلكونَ الوعيَ الكاملَ بأثَرِ تصرُّفاتِهم على المُحيطينَ بهم، ويَفهَمونَ أنَّ كلَّ علاقةٍ تتطلَّبُ توازُناً بينَ إظهارِ المشاعِرِ والحفاظِ على حُدودِ الشخصيَّةِ.
إنَّ الذَّكاءَ العاطفيَّ هو قُدرةٌ مُتطوِّرةٌ، يُمكنُ للفردِ صَقلُها باستمرارٍ من خلالِ المُلاحظةِ الدقيقةِ والتفاعُلِ العميقِ معَ الذاتِ والآخرينَ. هو أداةٌ فعَّالةٌ لتحقيقِ النجاحِ في الحياةِ الشخصيَّةِ والمِهنيَّةِ، لأنَّهُ يُمكنُ الأفرادَ من إدارةِ العواطِفِ بكفاءةٍ، مما يُساهمُ في اتِّخاذِ قراراتٍ أكثرَ حِكمةً ويُعزِّزُ قُدرةَ الفردِ على مُواجهةِ ضغوطِ الحياةِ المُتزايدةِ.
نَسألُ من الباري جلَّ وعلا أن يَتقبَّلَ هذا القليل، وأن يَجعَلَهُ خالِصًا لوجهِهِ الكريمِ، فهو أهلُ الجودِ والعطاءِ، ووليُّ الإحسانِ والرجَاء.
