مريم الحتروشية
مرباط
وكيف لا تحِّنُّ بوصلةُ القلبِ إلى مرباط !؟
كيف لا يتسارعُ دفقُ التاريخِ المتواشج مع أنسامِ الروح منطلقا من مدينة صور “أم البنادر “؛ لينيخَ ركابَ الحاضرِ أمامَ بواباتِ التاريخ العتيق في مرباط ؟! مرباط توأم العيجة وصنوها في صور ، صور الميناء التاريخي الأشهر على بوابة خليج عمان .
والعيجة التي تمثل المدخل الشرقي لخور البطح ، حيث يتضح جليّاً كيف تعيد المشاهدُ نفسَها أمام الزائر للمدينتين ، وأمام المتتبع للآثار التاريخية بينهما ،
مرباط التاريخُ والأهلُ والنسب ُ
مرباط الميناءُ الذي ترسو عليه “خشب هل صور ” ، للاستراحة والتزوّد لمواصلة الرحلات البحرية إلى ميناء عدن ، ومنها إلى موانيء الساحل الشرقي لأفريقيا وموانئ جنوب أفريقيا، ومنها إلى جزر القمر ..حيث نجد الأثر الكبير والشاهد على امتداد التاريخ لقبيلة “الغيلاني ” وهي أحد أشهر قبائل مدينة صور العمانية ، والتي لها الباع الطولى في امتلاك السفن التجارية البحرية ، حيث امتلكت العائلة العديد من السفن التجارية منها الغنجة “أمانة الله” الموشورة في صور حوالى العام ١٩٤٠م ، والغنجة “المنصوري” “الموشورتين” أي المصنوعتين بأيادٍ صورية قبالة خور البطح المركز المصنّع لخشب أهل صور سابقا، وهو ما يزال الحوض الجاف لصناعة السفن بكل أنواعها وعلى رأسها الغنجة والتي تمثل رمز صور المدينة البحرية ، والسمبوق ، والبوم ، والبدن ، وقوارب الصيد ، وإلى يومنا هذا مازالت “مِهْرة” أي مهنة صناعة السفن مستمرة في صور ، وماتزال تصدِّر العديد من السفن إلى دول الخليج .
أمانة الله والمنصوري والبوم الميمون تمتلكها نفس العائلة من أبناء وأحفاد الشيخ ناصر محمد الغيلاني الملقب ب “راعي الدستورية”، والتي جابت موانئ الهند وأفريقيا والكويت والبصرة محملة بأنواع البضائع ، على امتداد فترات زمنية عديدة .
هنا نرى الوالد الشيخ حمد بن محمد الغيلاني أمدّ الله في عمره -من مواليد مدينة مرباط عام ١٩٤٢م- ، في زيارة يفوح منها أريج التاريخ ، ويمطر منها عبق الذكرى، حيث يحيلنا إلى وقفة امريء القيس أمام ديار الأحبة ..
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ
يقف أمام بيت أجداده وأخواله في مرباط ، حيث الأنساب الصورية ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع الأنساب الظفارية من قديم الزمن ، يقف الوالد حمد بن محمد الغيلاني على أطلالٍ لها ما لها من العمق والقداسة في قلبه وفي قلب كل التجار الصوريين الذين كانت مرباط تمثل راحتهم واستراحتهم ، كانت المرفأ الذي يستقبلهم ليحيل تعبَهم ونصبَهم إلى استراحة وسكينة وأمان ، فكم من الخشب التي قدّر الله لها أن تتكسر أو تغرق بالقرب من سواحل مرباط وحاسك ، وما كان من سبيل لبحارتها إلّا الرسو إلى مرباط شاطئ الأمان لهم ، مرباط التي ترتبط في ذاكرتهم بسنيِّ الشباب والكدّ والجدّ والاجتهاد والعمل وصراع الأمواج ومواجهة الأنواء والأعاصير المتقلبة ، حين واجهوا ببسالتهم المعهودة سلطانَ البحر الغاضب بهجماته التي لا ترحم ، وبغضباته التي يستلّون منها أرواحهم كما يستلّ الفرسانُ سيوفَهم من أغمادها ، لله درُّهم أولئك البواسل الذين لم يرهبهم جبروت الأمواج العاتية ، بل بارزوه وخبروه حتى استكان لِمِراسهم ، واستعانوا بحسبة النجوم ؛ لرصد تقلبات الريح بآلاتهم البحرية العتيقة .
تجوب سفنهم الموانئ ، تتزود بالبضائع
يخالطون أجناساً عدة في كل ميناء ، ويتحدثون لغات كل ميناء ترسو فيه سفنهم ، فتجدهم يتكلمون الهندية والأُوردية والسواحيلية ، وكم كانت العودة باهظة الثمن ، حين تطأ أقدامهم أرض صور بعد شهور عدة من السفر ، ليتلافوا أنسامَهم ، ثم لتبدأ مرحلةُ إصلاح السفن بعد كل موسم استعداداً للموسم القادم ، وهكذا طويت سجلاتهم بين رحلة وإياب ، وهكذا استقبلتهم الموانئ تجاراً يمخرون عباب المحيطات شرقا وغرباً ، رحم الله تلك الأرواح المؤمنة بقضاء الله وعطائه ، رحم الله أولئك الأبطال فرسان البحار وأسوده ، أولئك الرجال الذين شيّدوا جسوراً من التاريخ المشرِّف بين موانئ الدنيا ومدينتهم مدينة صور التاريخية، كما أشادَ بذلك السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيّبَ اللهُ ثراه- .
الجمعة ٢٠٢٤/٤/١٩
أخذت الصور في الأسفل لمدينة مرباط قديما وتتضح أوجه الشبه بين جغرافية مدينتي صور ومرباط ، ومدى التشابه حتى في أشكال أبنية وواجهات المنازل ، وإطلالتها على البحر 👇



تحريرا في الجمعة ٢٠٢٤/٤/١٩
مريم الحتروشي
صور
