خاص ـ شؤون عمانية
في ظل الانفتاح المعلوماتي اليوم، بات الفضاء الإلكتروني بيئة سهلة لتداول المعلومات المغلوطة، خاصة المتعلقة بالمبادرات والقرارات الحكومية.
ويؤكد عدد من المختصين بمجال الإعلام، أن أسباب وحلول هذه الظاهرة تعتمد على مدى الوعي المجتمعي بضرورة التأكد من المعلومة، إلى جانب مدى تكيّف المؤسسات الحكومية مع وسائل التواصل الاجتماعي والتفاعل معها ووضع استراتيجيات إعلامية لوأد الشائعات.
ويقول الدكتور هلال بن علي الرشيدي باحث في علوم الإعلام والاتصال بجامعة السلطان قابوس: تسعى سلطنة عُمان من خلال الاستراتيجية الوطنية لمجتمع عُمان الرقمي والحكومة الإلكترونية ومبادرة عُمان الرقمية، إلى تعزيز الخدمات الحكومية الرقمية، والتحول إلى اقتصاد المعرفة، وتسهيل عملية التواصل مع المجتمع عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، إلا أن التأخر في نشر المعلومات والبيانات في وقتها، وبشكل واضح يساعد في تشكل الشائعات وانتشارها في المجتمع.
ويضيف: من المعلوم أن الشائعات والأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة لا تستند إلى مصادر موثوقة أو أدلة حقيقية، إلا أن تأخر التعاطي معها، أو إصدار بيانات مبهمة من جهات الاختصاص، يساعد على انتشارها، وزيادة في مصداقيتها بين أفراد المجتمع.
ويؤكد: من السهل إنتاج الشائعات وتأطير المحتوى المغلوط بقصد أو نتيجة لاجتهاد هواة، ومن ثم نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، أما تأثير الإشاعة فيعتمد على طريقة التعاطي معها، وتجربة الجمهور مع الجهة التي صدرت ضدها الإشاعة، والشائعات ظاهرة توجد في مختلف المجتمعات والثقافات، وتلعب أحيانا أدوارًا سلبية في تشكيل الآراء والاتجاهات.
ويوضح بقوله: قد يكون من الصعب القضاء على الإشاعات والأخبار الكاذبة، إلا أن المؤسسات الرسمية عليها وضع استراتيجيات للتعامل مع الإشاعة والأخبار الكاذبة، أبرزها الشفافية والتواصل الفعال مع المجتمع عبر القنوات الرسمية (وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الرسمية)، مع ضرورة وجود متحدث رسمي مختص في كل مؤسسة، والاهتمام بالتعاون والشراكة مع وسائل الإعلام مثل الصحافة، وتفعيل دور دوائر الاتصال والإعلام بالمؤسسات، ووضع برامج توعوية وإرشادية لكيفية التعامل مع الإشاعة، وتفعيل القوانين الرادعة بهدف مكافحة الإشاعة وانتشار الأخبار الكبار الكاذبة، وتبقى الإشاعة إشاعة ولا خوف على المجتمع المحصن منها، وكلما زادت ثقة المجتمع في المؤسسة قل تأثير ما يشاع عنها.

من جهته، يرى محمد السعدي المتخصص في المجال الإعلامي، أن نشر المعلومات المغلوطة والشائعات حول المبادرات والقرارات الحكومية يعد تحديًا كبيرًا في عصر المعلومات الرقمية، وهناك عدة أسباب وراء انتشار هذه الظاهرة، أولاً، تساهم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في سرعة نشر المعلومات، حيث يمكن لأي شخص أن يشارك أو يعلق على أخبار دون التحقق من صحتها، وهذه المنصات، التي تفتقر غالبًا إلى آليات تدقيق فعالة، تساهم في انتشار الشائعات بشكل أسرع من أي وقت مضى، وثانيًا، نقص الوعي الإعلامي بين الأفراد يسهم في قبول المعلومات المغلوطة، إذ إن كثير من الناس يفتقرون إلى المهارات اللازمة للتمييز بين المعلومات الموثوقة وغير الموثوقة، مما يجعلهم عرضة للتأثر بالشائعات، كما أن بعض الأجندات السياسية أو الاقتصادية قد تؤدي إلى تضخيم الإشاعات بهدف التأثير على الرأي العام أو تغيير مسارات القرارات الحكومية.
ويؤكد السعدي: لمواجهة هذه الظاهرة، يجب أن تتبنى المؤسسات الرسمية استراتيجيات فعالة، أولاً، تعزيز الشفافية من خلال توفير معلومات دقيقة وسريعة للجمهور، ويجب إنشاء منصات إلكترونية رسمية تتيح للجمهور الوصول إلى الأخبار والبيانات الحكومية بسهولة، مما يسهم في تقليل الفجوة بين المعلومات المتاحة ومصادرها الرسمية.
ويشير إلى أنه في ظل غياب ثقافة التحري في العديد من المجتمعات، يفتقر الأفراد إلى ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها، وقد يكون ذلك بسبب عدم وجود تعليم كافٍ حول كيفية التعامل مع الأخبار ووسائل الإعلام، كما أنه في ظل الإحباط من المؤسسات الرسمية يشعر بعض المواطنين بالإحباط أو فقدان الثقة في المؤسسات الرسمية، ما يدفعهم إلى الاعتماد على مصادر غير موثوقة، وهذا الإحباط قد ينشأ من تجارب سابقة سلبية أو شعور بعدم الشفافية، ومرورا بالتحريض السياسي حيث تستخدم بعض الجماعات السياسية المعلومات المغلوطة كأداة للتأثير على الرأي العام، فقد يروجون لشائعات بهدف تشويه سمعة الخصوم أو التأثير على نتائج الانتخابات.
ويقول: في شأن الضغط الاجتماعي قد يتعرض الأفراد لضغوط من أقرانهم لنشر أو تصديق معلومات معينة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تعتبر المشاركة في الشائعات جزءًا من الانتماء الاجتماعي، وفيما يتعلق بالأزمات والأحداث الطارئة تزداد وتيرة انتشار المعلومات المغلوطة، وفي هذه الظروف، يبحث الناس عن إجابات سريعة، مما يجعلهم عرضة للشائعات، كما تسهم التكنولوجيا من خلال التطبيقات والبرامج الحديثة في تسريع نشر المعلومات، فبعض هذه المنصات تفتقر إلى أدوات تدقيق فعالة، مما يتيح المجال لانتشار الأخبار الزائفة.
ويوضح قائلا: لا ننس التحيز النفسي، وهنا يميل الأفراد إلى تصديق المعلومات التي تؤكد معتقداتهم السابقة، وهذا ما يعرف بـ “التحيز التأكيدي”، وعندما تتوافق الإشاعات مع وجهات نظر الأشخاص، يكون من الصعب عليهم التحقق من صحتها، كما أن بعض المؤسسات الرسمية قد تفتقر إلى الموارد الكافية لمراقبة المعلومات المغلوطة أو لمتابعة تأثيرها، مما يؤدي إلى تفشي الشائعات دون رادع.
ويؤكد: من خلال فهم هذه الأسباب المتعددة، يمكن للمؤسسات الحكومية والمجتمع المدني العمل بشكل أكثر فعالية على مواجهة المعلومات المغلوطة، مما يسهم في تعزيز الشفافية والثقة بين المواطنين والحكومة، ومن الضروري تعزيز الوعي الإعلامي من خلال برامج تعليمية تستهدف جميع فئات المجتمع، بدءًا من المدارس وصولًا إلى البالغين، ويمكن تنفيذ ورش عمل وحملات توعية تهدف إلى تعليم الأفراد كيفية التحقق من المعلومات، وفهم كيفية تحليل الأخبار بشكل نقدي، كما يجب التعاون مع وسائل الإعلام المحلية لتطوير حملات توعوية تركز على مخاطر المعلومات المغلوطة، ويمكن أيضًا تشجيع الصحفيين على استخدام تقنيات التحري والتدقيق في المعلومات، مما يعزز من مصداقية وسائل الإعلام ويقلل من انتشار الأخبار الزائفة.
ويختتم حديثه: يمكن إنشاء آليات قانونية لمحاسبة الأفراد أو الجهات التي تقوم بنشر معلومات مغلوطة بشكل متعمد، مما يساهم في تحجيم هذه الظاهرة، ومن خلال هذه الجهود المشتركة، يمكن خلق بيئة معلوماتية أكثر أمانًا وموثوقية، مما يساعد على تعزيز الثقة بين المؤسسات الرسمية المعنية والمواطنين.
وفي هذا السياق يقول المذيع إدريس البشري: حين نبحث في الأسباب المؤدية إلى نشر الشائعات وانتشار المعلومات غير الصحيحة أو التي ينقصها مقدار كبير من الدقة فإننا يجب أن نبحث في الأسئلة المتعلقة بجذور تكون المعلومات الخاطئة والعوامل المؤدية لانتشارها، من قبيل “كيف تشكلت المعلومة المظللة في الأساس؟ وما الذي ساهم في انتشارها؟” و “هل كانت لدى الجهات المعنية بتوضيح القرارات أو البرامج الوطنية -خصوصا تلك التي تلامس المواطن بشكل مباشر- خطة إعلامية مدروسة من كافة النواحي بما لا يدع مجالا للتأويل والاجتهاد في تفسير بعض الجزئيات بشكل خاطئ؟” وما النهج الذي تنتهجه الجهات المعنية في اختيار من يمثلها من متحدثيها أمام وسائل الإعلام؟ أو إن كانت هناك برامج تدريبية لتأهيل وتمكين متحدثين جيدين أما وسائل الإعلام، وإلى أي درجة تعمل المؤسسات الحكومية الخدمية بالتعاون مع وسائل الإعلام على تكوين محتوى توضيحي متنوع حسب السياق الذي تطرح فيه توضيحات حول مبادرة وطنية ما؟
ويضيف البشري: طريقة الخطاب في وسائل الإعلام التقليدية تختلف تماما عن الأسلوب الذي يجب أن يتواكب مع جمهور وسائل التواصل الاجتماعي وهي في تقديري الفئة الأكثر أهمية كما أنها الأكثر حساسية في انتقاء المعلومات وفهمها فهما تحليليا، إضافة إلى أن بيئة وسائل التواصل الاجتماعي تتسم بغزارة التغذية الراجعة الأمر الذي يؤدي لانتشار المعلومات بشكل هائل السرعة.
ويشير إدريس: المعضلة التي تعاني منها أغلب المؤسسات هي عدم الرغبة في الانسجام مع صفحات التواصل الاجتماعي – الإخبارية منها على وجه – رغم أنها تشكل قاعدة جماهيرية مليونية تضاهي الأعداد المحدودة التي تتابع وسائل الإعلام التقليدية، إذ إن جزءا لا يستهان به من العوامل المكرسة لهذه القضية وهو أزمة الوعي الجمعي حول ما يجب أن ينشر وما لا يجب، ودرجة استشعار دقة المعلومات ومصداقيتها قبل التفاعل معها، هذه العوامل وغيرها ساهمت في تفاقم ظاهرة نشر المعلومات الخاطئة حول القرارات والمبادرات الحكومية.
ويتابع: أولا يجب على المؤسسة ذات العلاقة بالموضوع أن تضع خطة إعلامية واضحة تنعكس في القدرة على نشر معلومات بلغة بسيطة وواضحة يفهمها عموم الناس دون أن يكون هناك مجالا للتأويلات الجانبية، ثانيا أن تسخر المحتوى البصري الإبداعي لتقدمه لجمهور وسائل التواصل الاجتماعي متضمنة كافة الجزئيات بوضوح ومستجيبة لكل الاستفسارات المحتمل أن يسأل عنها المستهدفون من المبادرة الحكومية، وثالثا: على المؤسسة أن تستوعب جميع ردات الفعل من الجمهور وترصد آراءهم وتساؤلاتهم وتستجيب لها بشكل فوري للتأكيد على بعض الجزئيات وتصويب ما يمكن تصويبه، ورابعا: أن تعمل المؤسسات على تمكين متحدثين يقدمون المعلومة بشكل واضح وبعيد عن التعقيد ولا يستبان في حديثهم عدم جرأة أو ثقة فيما يقولون، وخامسا: نحن بحاجة إلى تكريس الوعي للمجتمع ومستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي بأهمية التعامل مع المعلومات ورفع درجة الحرص على التحري والتثبت مما ينشر، فكل هذه الجوانب وغيرها تسهم ولو بشكل نسبي في تحجيم نشر المعلومات الخاطئة بشأن المبادرات والقرارات الوطنية.

كما يرى سيف الجابري وهو طالب إعلام بجامعة السلطان قابوس، أن نشر المعلومات المغلوطة والشائعات بشأن المبادرات والقرارات الحكومية وغيرها منتشر بصورة كبيرة خاصة في العصر الحالي، ولاسيما في عصر التحول الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تنتشر فيها المعلومات بسرعة كبيرة وفائقة، حيث أصبح من الصعب اللحاق حتى بكمية المعلومات والمحتوى الضخم الذي يتم نشره في كل دقيقة.
ويضيف الجابري: من الطبيعي أن تنتشر المعلومات المضللة والمغلوطة كثيرًا، وذلك يرجع لعدة أسباب منها: ضعف الوعي المجتمعي من حيث عدم الإدراك الكبير للمعلومات وفهمها بدقة لربما بسبب بعض المفردات والتفاصيل التي لا يفهمها الكل، أيضا من الأخطاء التي يقع بها المجتمع هو الثقة بجهات غير مصرح لها أو غير موثوقة ورسمية والاعتماد عليها كصدر لهم بدلا من المصادر الرسمية، كما أن لسرعة انتشار المعلومات في عصرنا الرقمي الحالي دور كبير لانتشار المعلومات المغلوطة، فوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمي تنتشر فيها المعلومات بصورة سريعة دون اللحاق من التأكد هل هذه المعلومة صحيحة أم لا، كذلك تنتشر المعلومات المغلوطة كثيرا ربما لكونها تجذب من يطلع علها وتجعل من الناس يشاركونا بعضهم البعض فتنتشر بسرعة.
ويوضح: من الأسباب المهمة التي لها دور بارز في انتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة هو نقص التوعية الإعلامية من الجهات المختصة وغياب التوضيح الفوري واللازم لتفادي حدوث مثل هذه الأمور التي تؤثر بشكل كبير على المجتمع وعلى اتزانه، ولكن هناك أمور تؤدي لتكرار الانتشار للمعلومات المغلوطة منها: القيام بنشر الشائعات الرائجة عدة مرات خاصة بعد نجاحها في المرة الأولى، وغياب العقوبات الرادعة اللازمة من الأسباب الرئيسية لذلك فمحاسبة كل من يرتكب هذه المخالفات بعقوبات تناسب فعلتهم سيقلل من تداول الشائعات والمعلومات المغلوطة، كما أن الاستمرار على أخذ من المعلومات من مصادر غير رسمية وموثوقة له دور كبير وبالغ بذلك، وانعدام الحس النقدي والتمييز من قبل المجتمع لمثل هذه الأمور والمعلومات له دوره أيضا.
يؤكد: لتفادي حدوث نشر المعلومات المغلوطة والشائعات ومعالجتها هنالك بعض الأمور التي يجب الأخذ بها وهي: تعزيز الوعي لدى المجتمع وتوعيته بشكل كبير وواضح وذلك بواسطة المؤسسات المعنية والمختصة والجهات الإعلامية وهي التي لها دور فعّال لذلك، فالإعلام اليوم يعد من القوى المؤثرة على المجتمعات وهذا ما نشهده بشكل واضح اليوم، كذلك يجب على الجهات المختصة اصدار البيانات الرسمية عن القرارات بشكل سريع، والرد الفوري على المعلومات المغلوطة والشائعات وتوفير المساحة للمواطنين من أجل معرفة استفساراتهم من الطرق التي تؤدي لتفادي تفاقمها وانتشارها، كما أن تطبيق قوانين صارمة بحق الذين يتعمدون نقل الشائعات سيكون له دور كبير لردع كل من يقدم فعل هذه السلوكيات.

