عائشة بنت جمعة الفارسية
في أوقات الانتظار المكان مسرحا لتوظيف جوارحك.. تتمعن في كل ما حولك ومن حولك، مع اختلاف المكان والظرف.
وعلى كرسي انتظار الطبيب، تجدك مرغما على متابعة مشاهد تستحق أن تُحلل ويُقرأ طالعها، بداية من الجدران مرورا بالسقف وانتهاء بالأرض ومن عليها.
الوقت مرهون باللحظة التي تمر من خلالك، لا أدري أهو عمل يجب أن يشغل لتجاوز ما يمر بك لتبلغ لحظة الخلاص؟ وأقصد هنا بها الانتظار المقرون بالمجهول حتى ترى الطبيب وتنتهي دقائق قد تكون عند غيرك عصيبة وعندك زمنا يجب أن يشغل، بما أنه سيمر ولن يضر بإذن الله.
البصر يجول هنا وهناك، تتماهى تلك الشخوص مختلفة الأعراق والجنس، تَسحبك لحظتها مع المميز منهم، من يناديك لتقرأه، من يصلك صوته فيفرض نفسه على الاستماع له، من فاضت طاقته فيستعرض عرضا بهلوانيا نادرا مستعينا باختلاف الردهات وفضاء المكان ولمعة الأرضية وسهولة الحركة عليها.. تتابعه لتشرد بعينيك المحبة للقراءة على أرضية المكان، وكأنك لأول مرة ترى البورسلين، تعده طولا وعرضا وتحاول جاهدا إسقاط الإضاءة على كل قطعة تنعكس عليها لتوافق موضع الإنارة على السقف وانعكاسها عليه، لتخلق شكلا فنيا برؤيتك، أو نمطا رياضيا في تراص مربعاته فتخالها كرقعة شطرنج يتحرك عليها كل من يمر.
رؤيتك للصور المعلقة تأخذ جانبا آخر، هنا تشتغل عقلية الفنان والمهندس في آن واحد، فيعمل حسك الناقد على مدى ملائمة الإطار للصورة وأصالة الفكرة في المعلن عنه، وملائمة مكان العرض وغيره الكثير.
تخلق عيناك بين الحضور رغم حالتهم الصحية قاسما مشتركا أو قصة مع كل مريض ومن يصحبه، وأحيانا تستشف نوع المرض ومرحلته، من خلال ما تلتقط أذنيك من مسامع وحوارات فرضتها قصر المسافة، قد تدور بين المرضى وبعضهم.
الأهم من هذا وذاك، أن تكون خارج الحسبة، بمعنى سليما حتى تلم بكل ما مضى في تلك اللحظات د، ليتسنى لك قراءة أقرب إلى ما تراه وتسمعه، وإن لم يكن سوف تستدعي ذاكرتك لاحقا، لتفكر في كل تلك المشاهد، وتدرك بعدها ما مر بك.
أجمل منظر كان درسا مصغرا لأم وابنها الذي لم ينهي عقده الأول بعد، تشرح له هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعل مقولة أن الأم مدرسة ثانية في البيت تجسدت أمامي هنا في العيادة.
وجدتها مع انتقالها في الشرح تعرج لتوضيح المفاهيم لابنها وتؤكد المعلومة بتكرارها، أعجبني توظيفها لشرح غار حراء بعدما شعرت بتجهم ابنها لثواني حيث قالت (بعد أن كررت الاسم ثلاثا وكورت يديها ونوعت من نبرة صوتها وإيماءات وجهها): “هو غار، غار، فتحة في جبل، واسمه حراء”.
فما كان من الابن إلا أن صاح مبتهجا: “آه غار نعم”، فثبتت المعلومة فهما مع الحفظ.
خلاصة الأمر، شغلت الوقت شرحا مع حل الأسئلة ثم أنهته بالتقييم.
لحظتها، أردت أن أقوم من مكاني لأشكرها على هذا الجهد ولأُطمئن من هنا معلمات ارتكز ثقل أجسادهن على قوائم، لا تكل وقوفا ليفعلن ما تفعله الآن مع طفل واحد، وهي جالسة بينما تتراص كراسي وطاولات لعدد يربو على الثلاثين في صفها، وأقول لهن: ابتهجن فهناك من يعد للقائكن عدة لا يستهان بها، حتى لو كان على كرسي انتظار الطبيب.
