محمد بن عيسى البلوشي- كاتب وصحفي
تُشرق اليوم العلاقات العُمانية-المصرية بنور جديد، إذ تحلّ السيدة انتصار السيسي حرم فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ضيفة كريمة على سلطنة عُمان، في زيارة تعيد إلى الذاكرة صفحات مضيئة من تاريخ مشترك، امتزجت فيه رائحة اللبان العُماني بعبق الحضارة المصرية.
هذه الزيارة تأتي امتدادًا لجسور وُضعت حجارتها منذ أزمنة بعيدة، وتعززها زيارات سامية على أعلى المستويات، كان آخرها زيارة السيدة الجليلة حرم جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظها الله ورعاها- إلى مصر في مايو الماضي، وزيارة جلالة السلطان هيثم-أعزه الله- إلى القاهرة في وقت سابق من هذا العام.
هنا، وفي هذه الأيام المباركة، تتلاقى العيون والقلوب بين بلدين، جمعهما ليس فقط التاريخ، بل رائحة اللبان الذي كان يسافر من موانئ ظفار كأنه رسول سلام يحمل في عبقِه قصصًا تُروى ولا تنتهي.
هذا اللبان، الذي أبحر من موانئ سمهرم وخور روري، كان يصل إلى مرافئ مصرية عبر البحر الأحمر، ومن هناك كانت الجِمال تحمله في جرار فخارية إلى المعابد العريقة، حيث تختلط رائحته بطقوس الفراعنة، شاهدة على حضارة عريقة ووصل متين بين البلدين.
اليوم، وفي ظل هذه الزيارات المضيئة، يبرز حلم جديد: لماذا لا تُحاكى هذه القصة الحضارية العظيمة؟ لماذا لا تعود تلك السفن الخشبية لتسلك الطريق ذاته، وكأنها تسافر عبر الزمن، حاملة اللبان العُماني إلى المتحف المصري الكبير؟ هناك، يمكن لهذه القصة أن تروي للعالم أصالة اللبان ودوره في صنع جسور من المحبة والتعاون بين الحضارتين العُمانية والمصرية.
ليس اللبان وحده ما يمكن أن يعبر الزمن من عُمان إلى مصر، ثمة فرصة سانحة لإحياء هذا التاريخ عبر مشروع ثقافي مشترك، يبدأ من المتحف الكبير ويأخذ الزوار في رحلة تمتزج فيها الروائح بالألوان، حيث يمكن عرض منتجات اللبان العُماني، والعطور التي تتخللها روحه، إلى جانب منسوجات ظفارية تنطق بلسان الماضي وتروي كيف شكّلت التجارة هوية ظفار.
إن زيارة السيدة انتصار السيسي تأتي كتأكيد جديد على الأهمية التي توليها القيادتان الحكيمتان للعلاقات بين البلدين، وهي لحظة تتلاقى فيها الأحلام مع الواقع، خاصة في ظل النهضة المتجددة التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله- في عُمان، والرؤية المستقبلية لفخامة الرئيس السيسي في مصر.
في هذه اللحظات، يبدو التاريخ وكأنه يبتسم، اللبان العُماني، الذي لا يزال يفوح عبيره من جبال ظفار، يواصل حكايته، يُحلق برائحته فوق مياه البحر الأحمر ليصل إلى أرض الكنانة، إنها قصة لا تنتهي، قصة عبق يتخطى حدود الجغرافيا ليعبر الأجيال، كأنه شاهد على أن الحضارات العظيمة لا تُبنى فقط بالحجر، بل بالعطر، وبالقصص التي تروى.
