أحمد بن سليمان الكندي
إن التقرير الأخير الخاص بجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة يعكس تطورا ملحوظا ومهما للغاية في أدوات الرقابة الحكومية؛ في الوقت الذي يعطي فيه معطيات جيدة للتحسين، ويدفع إلى مستويات جيدة من الافصاح والشفافية في عمل الوحدات الحكومية.
وأبان التقرير الأخير لجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة عن أمور إيجابية عدة تدعو إلى التفاؤل، وتعزز الثقة في هذا الجهاز، وتؤكد قدرته على الاضطلاع بواجباته الوطنية الحساسة، خاصة ما يتعلق منها بحفظ المال العام.
وإن من أهم الأمور التي تلمس في تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة تلك المهنية للعاملين في هذا الجهاز؛ والتي مكنتهم من الوقوف على مخالفات إدارية ومالية في مختلف الوحدات الحكومية، ومما لا شك فيه أن نتائج التقرير تعكس الجهود الكبيرة والمخلصة التي تقف خلفها، وهذا كله يحسب لجهاز الرقابة الذي استطاع وفي فترة قياسية الاضطلاع بواجباته الموكلة إليه من خلال توفير وتأهيل الموارد البشرية القادرة على أداء هذا الواجب بكل كفاءة واتقان.
وحقق التقرير الأخير لجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة قفزة نوعية على صعيد الشفافية المطلوبة بين المواطن والحكومة في مسيرة بناء الوطن؛ فلربما لأول مرة يقرأ المواطن تقريرا بهذا العمق الرقابي الذي يغوص به في تفاصيل دقيقة، ويكشف له وبجرأة غير معهودة عن المخالفات المسجلة في مختلف الوحدات الحكومية، ولا شك أننا نعيش فترة مزدهرة من الثقافة المؤسسية المبنية على الشفافية والمكاشفة الهادفة إلى الإصلاح والتحسين والتجويد المستمر؛ والذي يصب كله في اتجاه تحقيق الحياة الكريمة للمواطن، ويسهم في تعزيز الشعور بمبدأ المشاركة بين الحكومة والمواطن في مسيرة بناء هذا الوطن الغالي.
إن المخالفات التي كشف عنها تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة توفر البنية الأساسية المتينة لبناء دولة المؤسسات والقانون، فبغض النظر عن مستوى هذه المخالفات، وبغض النظر عن امتعاض البعض من وجود الفساد وتحسر البعض الآخر على المال العام؛ إلا أن صدور هذا التقرير في حد ذاته -وبهذا المستوى – يعتبر أمرا إيجابيا على صعيد التحسين المؤسسي، فالجميع يعلم أنه لا يوجد مجتمع مؤسسي يخلو من المخالفات والتجاوزات، لكن المجتمعات المؤسسية تتنافس في قدرتها على كشف هذه المخالفات ثم قدرتها على الإفصاح عنها، وأخيرا قدرتها على معالجاتها واتخاذ الخطوات التحسينية اللازمة لتفاديها مستقبلا، وقد حقق تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة خطوة جيدة في هذا الاتجاه.
واستطاع تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة كسر حواجز عدة ربما كانت السبب في تحفظ الحكومة للوصول بالعمل الرقابي لهذا المستوى في السابق، فالتقرير الأخير ساعد على تأكيد توجه الحكومة بعدم مدارات الإخفاقات وعدم الخجل منها وإلغاء كل الاعتبارات التي كانت تعيق نشرها والإفصاح عنها، ولا شك ان هذه خطوة جريئة تحسب لحكومتنا الرشيدة والتي سيكون لها دور ايجابي في الدفع بمسيرة التنمية إلى الأمام وبخطوات رصينة وواثقة.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا التقرير يعكس الرؤية التي باتت حكومتنا الرشيدة تؤمن بها وتتخذها منهجا للبناء والتقدم، والتي تقوم على أهمية تمكين الأدوات الرقابية من متابعة عمل الوحدات الحكومية ورصد جوانب القصور فيها، وبلورة هذا العمل ليكون منطلقا قويا يتم فيه تعزيز نقاط القوة ومعالجة نقاط الضعف وصولا للأداء الأمثل.
إن الكفاءة التي أظهرها جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة في تقريره الأخير تبقى حلقة مهمة من حلقات النظام المؤسسي النموذجي، ولا شك بأننا في حاجة إلى مثل هذه الكفاءة ونحن نسعى لتحقيق أهداف رؤية عمان 2040، فالنظام الرقابي هو أحد أضلاع مسيرة التنمية الشاملة إلى جانب النظامين التشريعي والتنفيذي، وعليه أهمية بالغة انطلاقا من أهمية الدور المناط به؛ والذي يجب أن يكون جزءا أساسيا من الأداء الحكومي المثالي الذي يسعى إليه الجميع.
إنني أشد على أيدي جميع العاملين في جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، وأوجه لهم التهنئة والشكر لهذا العمل وهذه الجهود الحثيثة التي قاموا بها، في الوقت الذي أدعو فيه الوحدات الحكومية أن تقبل نتائج هذا التقرير بصدر رحب، وأن تنتقل وبشكل تلقائي إلى الخطوة المنتظرة منها وهي خطوة الإصلاح والمعالجة، وأن تجعل التقرير معينا لها في تحسين الخدمات التي تقدمها للمواطن، وأن يكون التقرير جرس تنبيه لما يجب اتخاذه لحفظ المال العام، فجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة قد قام بواجبه على أكمل وجه، وعليها الآن أن تتخذ ما هو مطلوب للتصحيح، ومع هذا التبادل الوظيفي المتكرر بين جهاز الرقابة والوحدات الحكومية سنصل حتما إلى درجات جيدة من الأداء المؤسسي المثالي والنزيه.
