صالح البلوشي- شؤون عمانية
في هذا اليوم، العاشر من محرم سنة 61 للهجرة، كان المسلمون على موعد مع أبشع جريمة إنسانية وقعت في تلك الفترة الزمنية الحرجة من التاريخ الإسلامي، وبغض النظر عن أسباب تلك الفاجعة ومقدماتها الكثيرة وتفاصيلها التي سجلها المؤرخون المسلمون في كتبهم، أمثال الطبري في تاريخه وابن كثير في “البداية والنهاية” وابن الأثير في “الكامل في التاريخ” وابن طاووس في ” اللهوف في قتلى الطفوف” وغيرهم، فإنها سجلت ملحمة إنسانية برز فيها جيش بأكمله يضم آلاف المقاتلين مقابل ثلة صغيرة تقدر بـ 62 أو 72 شخصا كما عند المؤرخ اليعقوبي و 82 شخصا كما عند ابن شهرآشوب، ولكن الرواية المشهورة عند شيخ المؤرخين الطبري أن عددهم كان 72 شخصا فقط.
هذه المعركة دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، وكانت سببا في انطلاق ثورات كثيرة تحت شعار “يا لثارات الحسين” التي أسهمت بالنهاية في إسقاط الدولة الأموية سنة 132 وتأسيس الدولة العباسية.
ففي هذه المعركة حارب جيش صغير بقيادة الإمام الحسين -عليه السلام- من أجل الحق والعدالة ونصرة المظلومين، كما عبر عن ذلك بقوله “أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي محمد صلى الله عليه وآله وسلم” ، إذن فإن الثورة لم تكن للسيطرة على الحكم أو إقامة دولة هاشمية على أنقاض الدولة الأموية كما يدعي بعض الكتاب، ولو كان هدف الإمام الحسين السلطة لما خرج بهذه القلة من أصحابه وأهل بيته ومعهم نساؤه وأطفاله لمقاتلة جيش يضم آلاف المقاتلين، فلم يكن الصراع علويا أمويا كما يتصور البعض وإنما كان صراعا بين الحق وبين نظام استبدادي قام على أنقاض الخلافة الراشدة.
ورب قائل يسأل: وما الفائدة من خوض حرب مع قوة كبيرة مع عدم وجود أي أمل للانتصار فيها؟ هذا السؤال ينقلنا من العاشر من محرم سنة 61 للهجرة إلى السابع من أكتوبر سنة 2023م، عندما أعلنت حركة حماس تنفيذ عملية “طوفان الأقصى” ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم، ومن المفارقات بين الثورتين أن الأسئلة التشكيكية التي كانت تطرح ضد ثورة الحسين تتكرر مرة أخرى اليوم، مثل: ما الفائدة من خوض صراع مسلح مع قوة جبارة ضد الكيان الصهيوني تساندها أقوى قوة في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل تتوقع حماس أنها بهذه القوة الصغيرة تستطيع أن تهزم “إسرائيل” وتحرر الأراضي المحتلة؟ ألا يكفي ما تقوم به قوات الاحتلال “الإسرائيلي” من جرائم ومجازر مروعة لإيقاف الحرب والاستسلام للشروط “الإسرائيلية”؟ وغيرها من الأسئلة التي تثار هنا وهناك لزرع روح الإحباط والانهزامية في صفوف المقاومة.
والجواب أن الثورات لا تنتصر بالضرورة بعد قيامها مباشرة وإنما تحتاج إلى سنوات وسنوات حتى تحصد نتائجها المثمرة، وإذا كانت ثورة الحسين قد استطاعت أن تطيح بالحكم الأموي بعد 71 عاما من قيامها فإن “طوفان الأقصى” قد أحيا روح الأمل لدى الشعوب الحرة بأن النصر آت لا محالة، وإن لم يكن اليوم فإن بشائره تلوح في الأفق وبدأ العالم يشهد انهيار الجيش “الذي لا يقهر” ولم تستطع آلته العسكرية الجبارة في هزيمة بضع آلاف من المقاتلين الذين استطاعوا إذلال المحتل وإيقاع أكبر الخسائر بصفوفه في تاريخ الصراع العربي / “الإسرائيلي”.
