د. علي بن راشد المديلوي
عندما يتاجر العالم بمأساة شعب غزة، وحينما تدوس أقدام الجميع فوق أشلاء أطفال ونساء وشيوخ غزة، وحينما يدمر الصهاينة الحياة في غزة تدميراً ممنهجا ولا تتحرك ضمائر البشرية في أوج تحضرها ورفاهيتها.. عندها يجب أن نتوقف لنرى كيف يتحكم القوي بالضعيف وكيف تسلب الحياة ممن لا يراد لهم الحياة في هذا العالم المتوحش.
نستيقظ كل يوم على عالم مرعب، لا يشغله إلا التدمير والخراب وسلب الحياة من شعب يدافع عن أرضه المغتصبة، عالم يزيد من الحصار الخانق على سكان قطاع غزة الذين يعيشون الآن في مجاعة، لنتفاجأ بعد ذلك أن المجتمع الدولي يريد إنشاء رصيف بحري أو ميناء في شمال قطاع غزة لإدخال المساعدات، على الرغم أن الشاحنات بالآلاف مصطفة أمام معبر رفح من الجانب المصري.
ولنا أن نتساءل: لماذا الإصرار الأمريكي على الرصيف البحري الآن، في حين أنها تستطيع الضغط على إسرائيل لإدخال المساعدات عبر المنافذ البرية، بما فيها منافذ إسرائيل مع غزة.
الحرب هنا كما نراها تمشي كما هو مخطط لها، وأن إرساء أول لبنة لقناة بن غريون على ساحل غزة سيكون الرصيف الذي تفتق دماغ بايدن لإنشائه لتهجير سكان القطاع من خلاله بعد توافق الدول الأوروبية المتصهينة على ذلك، كما أنه تدشين للميناء الذي تنوي إسرائيل إنشائه لتصدير الغاز من حقل غزة الساحلي وتدشين أولى خطوات العمل المخطط له مسبقا.
نحن نشهد حربا قذرة لم تشهدها البشرية من قبل، حرب يشنها الصهاينة في سبيل تنفيذ أطماعهم التوسعية لاحتلال القطاع وتهجير أهله منه ولتنفيذ أجندة تخدم الغرب المتصهين، في ظل صمت عربي لم نعهده من قبل وضغط متواصل على الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
لماذا هذا الإصرار على رصيف بحري سينشأ في شمال القطاع الخالي من السكان بعد احتلاله وتقسيم القطاع إلى قسمين: شمال يجّوع، وجنوب مكتظ بالسكان لا يجد كفايته من المساعدات الشحيحة التي تصل إليه.
إن وصول الأمور إلى هذا الحد من التدهور والتهجير والتدمير والإبادة والتجويع أمر مخطط له مسبقا لتنفيذ المرحلة التالية من هذا العدوان الغاشم، ولكي تسيطر أمريكا على ساحل غزة للبدء في التحضير للمرحلة المقبلة، رغم نفي بايدن في خطابه بأنه لا ينوي أن تنزل أو تحتل القوات الأمريكية غزة، لكن الأمر برمته مريب جدا، فلا يعقل أن تسير الأمور بهذا الاتجاه في حين ينتظر العالم فتح المعابر بعد أن تكدست المساعدات على أبوابها.
وفي ظل هذه التطورات، الجميع ينظر إلى دور مصر في إدخال المساعدات والضغط على الجانب الإسرائيلي لإيصالها إلى سكان القطاع في الجنوب والوسط والشمال.
وعلى الرغم من تصريحات بايدن بأنه لا يصح أن يستخدم الغذاء كورقة ضغط في هذه الحرب، فإنك ترى حتى إدانة إسرائيل لم يذكرها في خطابة، بل هو أحرص على حياة ممن يسميهم المخطوفين الأبرياء الذين يجب أن يعودوا إلى منازلهم وإلى أهلهم وذويهم، فأي استخفاف هذا يستفز به العقول، فهو من يقدم السلاح لإسرائيل لإبادة سكان غزة بيد وبالأخرى يحاول أن يظهر بأنه المنقذ عبر تقديم مساعدات عبر الإسقاط الجوي الذي أدى إلى استشهاد عدد من المواطنين.
فأي حرب هذه وأي إبادة وتطهير عرقي هذا الذي تمارسه إسرائيل تحت سمع وبصر العالم الذي يدعي الحضارة، وأي وجه قبيح هذا الذي يطل علينا منه مدعو حقوق الإنسان لتبرير هذا التوحش وهذا الغلو وهذه السادية في القتل والتدمير والتجويع التي تتجسد على أرض غزة.
