التوظيف البطيء و الفصل السريع أم Kurzarbeit؟

الكاتبة: فاطمة بنت ناصر*

لعل المتابعين للصحف المحلية الإنجليزية صادفوا مؤخراً عنواناً شبيهاً بالذي أمامكم هنا. فقد نشرت صحيفة Times of Oman عنواناً يقول : ( سياسة التوظيف والفصل للقوى العاملة العمانية سوف توفر العديد من فرص العمل )  لحوار مع الفاضل أنور البلوشي  – رئيس مجلس إدارة شركة أنوار اسيا للإسثمار- حيث يقول أن العمانيين يعملون بجد وهؤلاء لن يتأثروا بهذه السياسة التي توجه بالخصوص للمتقاعسين الذين لايؤدون أعمالهم كما يجب. كما يقول أن السبب وراء كسل بعضهم هو غياب ( سياسة التوظيف والفصل).

فما هي سياسة التوظيف والفصل؟ 

تسمى في هذه السياسة في أمريكا ب at-will policy وهي سياسة تتيح لصاحب المؤسسة الحق في  تعيين من يشاء بحرية وكذلك تمنحه حق الإستغناء عنه بحرية كذلك بأسباب مبررة أو غير مبررة وهي في الأعم سياسة يتبعها القطاع الخاص. وهناك نوع آخر يدعى ب   Just cause هذه السياسة تلزم صاحب العمل بتبرير أسباب تخليه عن العامل أمام القضاء وهي تعتبر أحد أشكال الأمان الوظيفي وهي مطبقة لدينا في السلطنة بشكل ملزم بالأخص في القطاع الحكومي. 

تتباين الآراء حول سياسة التوظيف والفصل فمنهم من يراها أحد الحلول الجيدة لمشكلة البطالة المتزايدة ومنهم من قام بتعديل هذه السياسة لتكون أكثر فاعلية في نظره فنجد الذين يتبنون فكرة ( التوظيف البطيء والفصل السريع) حيث يرى هؤلاء أن صاحب المؤسسة عليه ألا يوظف بشكل سريع وعشوائي ولكن ينبغي أن يكون ينتقي ببطئ أفضل العمالة لمؤسسته وفي المقابل عليه أن يتخذ قرارات الفصل بشكل أسرع وبدون تردد ليحمي مؤسسته وأفرادها من سلوك فرد أو أكثر لا يؤدون عملهم كما يجب ويشكلون حجر عثرة أمام تطور غيرهم. وفي هذا القول وجدت مقالاً نشرته مجلة ( هارفرد بزنس ريفيو) يؤيد هذا النوع من السياسيات وأهميته في تحقيق النجاح والنمو للمؤسسات. وهذه أبرز النقاط الواردة في المقال : 

في البدء يصرح الكاتب بأنه يعلم أن تأيدده لسياسة التوظيف البطيء والفصل السريع سوف يثير حفيظة معظم الناس ، فهم يعتبرون هذا الكلام لا يتعاطف مع واقع الشباب الذين يواجهون واقعاً مريراً بسبب تزايد نسبة البطالةوفي القادم سأستعرض لكم الأسباب الثلاثة التي يعتقد الكاتب بأنها البراهين التي تدعم حجته في تبني سياسة التوظيف البطئ والفصل السريع ، فيقول : 

1) لا يخدم العالم وجود مؤسسات تموت ببطئ بسبب بيروقراطيتها المتضخمة ،  فما نحتاجه حقاً هو وجود مؤسسات تؤسس منذ البدء بشكل صحي يضمن بقاءها وصمودها ونجاحها.
2) ليس من التعاطف في شيء أن تبقي موظفاً على رأس عمله متجاهلاً ما يسببه من معاناة لفريق العمل ، فنحن بحاجه إلى فرق عمل يثق أفرادها ببعضهم ويؤمنون أن كل واحد منهم سيقدم أفضل مالديه ،  فإن كنتم ترون أن عبارة ( وظف ببطئ وأفصل بسرعة ) عبارة قاسية فهي ليست أكثر قسوة من رؤية فريق بأكمله يكبل بسبب  شخص واحد كان قرار تعيينه خاطئاً منذ البداية.
3) لا أظن انه من الإستدامة أو الإنسانية محاولة إجبار شخص أن يجيد شيئاَ ليست لديه رغبة في إجادته. فشخص كهذا لن يخدم الناس وسوف يستمر في  تقديم خدمة سيئة لهم يوماً بعد آخر وسنة تلو أخرى ، ومن يعتقد انه قد يحل المشكلة بقيامه بإجراءات ( التنقلات الداخلية ) لمثل هؤلاء الأشخاص، فأقول له : أنت هنا لا تحل المشكلة ولكنك تقوم فقط بنقلها إلى مكان آخر في مؤسستك.

كيف يكون التعيين البطيء ؟ 

 قد يكون ماذكر هنا مثالياً وقد يعتقد البعض أن لا أحد يطبق ما تم ذكره هنا ولكن في الواقع هناك العديد من الشركات الكبرى تطبقه بشكل قد يكون صادماً لنا نحن العرب. فالكاتب في المقال يستعرض مثالاً لأحد الشركات الكبرى للأثاث وتجمعيه التي يطبق مديرها سياسة إنتقائية شديدة في التوظيف. فذات مرة وهو يختبر أحد المتقدمين لوظيفة شاغرة طلب منه تركيب رف وقد قام المتقدم بالفعل بتركيب الرف بنجاح ولكنه كان يرمي معدات عمله بإهمال ، وهذا كان سبباً كافياً لعدم توظيفه في الشركة التي يؤمن مديرها بمقولة : ( أن تعمل وأنت تعاني من النقص في العمالة خير لك من أن توظف عمالة سيئة). 

فالفكرة هنا أن تكون مؤسسة ذات معايير صارمة يكسبها سمعة قد تكون منفرة لأولئك الكسالى فلا يرغبون بالعمل لديها  بسبب معاييرها الجادة والغير متهاونة ، فتحصل في المقابل على أشخاص أكفاء مؤهلين يقبلون التحدي ويرغبون به.

 كيف يكون الفصل السريع؟ 

 قد تظنون أن الفصل السريع لا يحمل اي قدر من التعاطف ولا يمكن تحويله لعملية مقبولة وذات حس إنساني ، ولكن من يطبقون هذه السياسة  قد يختلفون معكم فهم يعتقدون أنهم يفصلون الموظفين الغير أكفاء بشكل مرضي للطرفين وبشكل يحمل قيمة إنسانية فيها كل التقدير والإحترام. ويورد الكاتب مثالاً لمديرة أحدى شركات التقنية بوادي السيلكون حيث أدركت إنها قامت بتعيين الشخص الغير مناسب ولتدارك اية خسائرإضافية قامت دون تردد بفصله. ولكن الفصل ليس كما تتوقعون فهي لم تقل له : ( أنت مطرود)  بل توجهت نحوه وتحدثت إليه بود شارحة له أنه موهوب ولكنه فقط ليس في البيئة المناسبة وانه سيبدع بلا شك في مكان آخر.  قد تقولون أن هذه المديرة كانت ترفع معنوياته بكلام لا يكلفها شيئاً وربما لا تعنيه وإنها تهون عليه مصيبته بعد أن قامت بطرده. فالواقع هي كانت تعني ما قالته تماماً لدرجة إنها قامت بتوفير برامج تدريب وظيفية مجانية لهذا الشخص تساعده في إختيار العمل بيئة العمل الذي تناسبه مستقبلاً. وهنا يكون الفصل من الوظيفة إنسانياً بتراضي وتفهم جميع الأطراف.

فسياسة التوظيف والفصل يمكنها أن تكون ذات عواقب سيئة إذا ما تم تطبيقها بشكل غير إنساني خالي من حوار المكاشفة والمصارحة الذي يساعد في فهم المشكلة وتقبل الفصل من العمل ليس كنهاية العالم وإنما كبداية لمكان يستحقك وتستحقه دون أن تضيع حياتك في وظيفه لا تحبها تجعلك لا تقدم لها شيئاً وتحرم أصحابها من النجاح والتقدم بسببك. 

 Kurzarbeit حل آخر للبطالة المتفاقمة ؟

 أثناء بحثي عن مفهوم ( التوظيف البطئ والفصل السريع) وجدت مقالاً في صحيفة الجارديان البريطانية يقف ضد هذه السياسة فالمقال يعزي إنها كانت السبب في تدمير الإقتصاد البريطاني . تم نشر المقال في 2012 وفيه يتم مناقشة قضية البطالة كأحد الهموم التي تؤرق أوروبا. ويذكر المقال أن سياسة التوظيف والفصل تبنتها معظم البلدان الأروبية بعد ظهور الإتحاد الأوروبي في 1999 ، وقد حققت نجاحاً في البداية غير أن هذا النجاح لم يستمر بسبب الأزمة المالية 2007  2008 حيث ساءت أوضاع السوق الإئتمانية وتوقف النمو بشكل عام. بالإضافة إلى أن صندوق النقد الأوروبي لم يفلح في إستبدال القوانين والأنظمة الغير مجدية بوسائل أخرى يمكنها خلق فرص عمل جديدة. 

ألمانيا كانت الدولة الأوروبية الوحيدة التي حققت نجاحاً ملحوظاً في خفض نسبة البطالة من 8,2% في 2007 إلى5,2 % في 2011 وهي النسبة الأقل على مستوى دول الإتحاد الأوروبي. ويعود ذلك إلى تبنيها إلى سياسة تم تطبيقها في العشرينات 1920 وأثبت جدواها وصلاحيتها لمشاكل الوقت الراهن تسمى( Kurzarbeit) وهي كلمة تعني حرفياً ( الوقت القصير ) وفيها تخصص الدولة ميزانية لدعم الشركات لعدم تسريح العمالة في مقابل تطبيقهم لسياسة العمل لوقت أقصر وأجر أقل ، وهذا الخيار يتيح لصاحب العمل الإحتفاظ بالعمالة وفي ذات الوقت يتيح للعامل الإحتفاظ بوظيفته عوضاً عن فقدها تماماً ، وبهذا نجحت ألمانيا في تجنب تسريح عشرات الألوف من الموظفين أثناء الازمة المالية في حين عانت غيرها من الدول الأوروبية من زيادة أعداد الباحثين عن عمل في شوارعها.

 

*كاتبة ومترجمة مهتمة بإثراء المحتوى العربي على الأنترنت،تخصص ترجمة وإعلام جديد ( الحوكمة والمجتمع)