فايزه محمد- شؤون عُمانية
صدر مؤخرا ضمن إصدارات الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء، كتاب جديد للأديبة والشاعرة الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية بعنوان “الأسطورة سليمة بنت غفيل.. بين الحقيقة والوهم والمتخيل”، وذلك عن دار “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن، وسيكون الكتاب متوفرا في معرض مسقط الدولي للكتاب في دورته القادمة التي تقام في فبراير المقبل
وجاء في مقدمة الكتاب:
لا ينكر أحد أهمية التاريخ الشفوي لإحياء ذاكرة الشعوب من خلال الاستماع إلى شهادات وروايات صانعي الأحداث والفاعلين فيها، أو الناقلين عنهم من جيل إلى جيل، ويعيد جمع هذا التراث الاعتبار للفرد بصفته فاعلاً تاريخياً في حفظ إرث وطنه، إذ يسد هذا الجمع ثغرات هامة لم تدون، ويقوم بجمع ما تناساه المدون الرسمي الذي يهتم بتتبع الشخصيات التاريخية الهامة كالملوك والأئمة وأبطال الشخصيات التاريخية والأحداث الكبرى، دون اهتمام في الغالب بالشخصيات المهمشة مهما بلغت شهرتها في فترتها الزمنية التي حتما ستتهاوى أمام مطارق الزمن، وخيانة الذاكرة الجمعية، وتتعقد الأمور في مرحلة الغياب التام للكتابة، أي أن الباحث يسير في دروب معتمة، لا يوجد بصيص ضوء يهتدي به ليضع قدميه التائهتين ،عله يسترشد أين يضع قدمه للبدء بالخطوة الأولى.
ولا يوجد أصعب من كتابة كتاب أو موضوع ليس له مصادر تستقى منه المعلومات، وإذا وجد المصدر فهو النزر اليسير، والأصعب من ذلك إذا وجد ذلك النزر القليل وجدناه متضاربا لدرجة التناقض وليس متفقا عليه.
بنت غفيل سليمة المسكرية من ذلك النوع الذي تفرق دمه بين الرواة، ولعل سبب ذلك يعود إلى شهرة أشعارها التي بلغت صيتا بعيدا، ومن جودة تلك الأشعار تسابق الكثيرون لحفظها وروايتها، ولكن الحفظ لم يكن كافيا لمقاومة تقادم دورة الزمن فسقط الكثير من شعرها واختلط البعض بشعر غيرها، وتناثر البعض عابرا دروب الأزمنة والأمكنة التي شهدتْ تناثر خطواتها عليها.
لكن من حفظ أشعار الشاعرة سليمة لم يحفظ لنا خيوط سيرتها ولم نستطع إلا أن نكون صورة شبه وهمية لامرأة قوية الشكيمة جامحة التصرفات، غير مبالية بالقيود التي تلتزم بها النساء اللآتي من مجتمعها، سواء أكانت هذه القيود دينية أو اجتماعية كالأعراف والعادات والتقاليد.
والحقيقة أن أشعار بنت غفيل ترسم لنا ملامح تلك الشخصية النادرة في النساء إبداعا وتفننا وذكاء ومهارة وصلابة شعرية ، وشجاعة قولية.
استمر البحث عن شخصية بنت غفيل ثلاث سنوات لتجميع خيوط تنافرت وتأبي الانسجام إلى نهاية دروب المبحث لتأتي النتيجة مخالفة تماما لليقين الذي توصلتْ الباحثة إليه.
والخلاصة أن هذه المرأة لو كانت شاعرة بالفصحى لما قلتْ شهرتها عن شهرة أكبر شعراء العربية، ولكنها شاعرة شعبية ونحن نعرف إشكاليات الشعر الشعبي وحدود الأمكنة التي سيحلق فيها ذلك الشعر، وهو في الغالب منطوق سماعي غير مكتوب، أضف لهذا كونه شعرا مختصا جدا بمنطقة محددة كشعر الميدان ، مع صعوبة فهمه إلا لفئة خاصة من الناس، فما بالك إذا كان هذا الشعر قد تجاوز حدود الذاكرة البشرية وتقادم لما يقترب من 400 عام على سبيل التقريب لا الدقة للفترة الزمانية التي تواجدت فيها بنت غفيل، وهذا التحديد الزماني المبهم هو ماجعل الباحثين الراغبين في لملمة الماء المسكوب بعد تبخره وجفافه يخطئون تماما في وصف سيرة بنت غفيل.
