د. سعيد محمد السيابي
إن الخطوة الأولى التي اتخذتها حكومة جنوب أفريقيا برفعها دعوة في محكمة العدل الدولية ضد الإبادة للفلسطينيين التي تحدث في غزة أمام مرأى ومسمع العالم لهي خطوة مشهودة لدولة أفريقية كبيرة بإرثها التاريخي المكافح ضد الظلم والتفرقة العنصرية. إن مولد المقاوم الكبير (نيلسون مانديلا) ودفاعه التاريخي في جنوب أفريقيا عن حقوق شعبه نموذجا لهذا الإرث للعالم ، وبأن أصحاب الحق وإن طال بهم الزمن سيستردون الحقوق المغصوبة، وبأن أول خطوات السلام والأمن في العالم يرجع إلى الأصل والحق الذي يجب أن يعود إلى من يطالبون به. إن خطوة عدها البعض من المحللين رمزية وأن طول المحاكمة فيها سيكون لأشواط وسنوات ربما لا تعود بالفائدة لاحقا لأصحاب الحق ولكن هذا تفسير خاطئ فمحكمة العدل الدولية قراراتها تخرج خلال أسابيع لهذا اختارت جنوب أفريقيا أن تذهب لمنع الإبادة الجماعية والتهجير لهذه المحكمة وهم يؤمنون بالمبدأ وبالطريق السوي ويختارون أن يكونوا شاهدا على التاريخ وبأنهم ناصروا المظلوم ووقفوا ضد الظالم بكل الإمكانيات المتوفرة ولا توجد هزيمة أكبر للظالمين في هذا العالم من أن تسقط صورة المحتل الذي يدفع ليلا نهارا أمواله التي ستكون حسرة عليه في تحسين صورته العالمية وأمام جريمة كهذه لا يمكن إخفاؤها.
إن قرار جنوب أفريقيا بالذهاب إلى المحكمة لا تستطيع دول العالم لاحقا أن تتجاهل هذا القرار خاصة انه أغلبها وأكثر من 150 دولة موقعه على هذه المحكمة وخروج هذا الاجراء القانوني من المحكمة الدولية وهي الذراع القانوني للأمم الحرة والمستقلة فالمسألة في طريق تجريم الإبادة الجماعية والتهجير القسري وهو مجرم في المعاهدات ضد إبادة جماعية والقضاء على جماعه عرقيه أو قوميه أو الاثنين معا وأن ما تقوله إسرائيل دفاعا عن النفس لا يمثلها كدوله تتعرض لهجوم بل ضد دولة تمثل قوه احتلال وأصلاً إسرائيل ليست دولة شرعية، إنما هي جماعات صهيونية قامت على اغتصاب أراضٍ عربية عام 1948م، وطردوا أهل فلسطين التاريخية العربية الإسلامية، والدفاع على النفس يكون لدولةٍ شرعية لها أصل وليست مكونة من شرذمة من شتى بقاع الأرض نبذتهم دولهم واحتقرتهم الشعوب التي كانوا يعيشون إلى جوارهم.
إن المشهد القانوني الحالي الذي قامت به جنوب أفريقيا يبقى خطوة في الإتجاه الصحيح لحماية الإنسانية أولاً من شرور المصالح الضيقة، ومن ثم تأكيد الإرث التحرري الذي تقف على رأسه جنوب أفريقيا كدولة تنتصر للضمير الإنساني، والأمر الأهم أن القانونيين في جنوب أفريقيا يُعلمون نظراءهم في العالم عموما وفي الدول الإسلامية والعربية خصوصا بإن هناك واجبات لشرف المهنة لا تسقط تحت أي أعذار ، وأن الكلمة الحرة والقانونية واجبة على كل من استطاع إليها سبيلا، وهناك الفضاءات العالمية المفتوحة والمحاكم الدولية المتعددة التي يمكن إحداث الفارق فيها لأصحاب الحق، والفلسطينيون وأرضهم جزء من واجبنا الأخلاقي والإنساني. ويجب على المجتمعات الحرة بكل مكوناتها أن يحذو حذو جنوب أفريقيا في القيام بخطوات مماثلة لرفع الظلم وردع الظالمين عن غيهم، ليعيش هذا العالم بدون أنانية ولا أحقاد يتوارثها جيل بعد آخر.
