أحمد بن درويش الهادي
لم تجد البشرية ولن تجد كلاماً يُقدِّر ويحترم مكانة ومشاعر الإنسان كالقرآن الكريم، والمتأمل في آياته يجد الرُقي في الخطاب، واللُطف في الحوار، والتشجيع على الأخلاق الحميدة والحث على الخير، والتنبيه على حفظ النفس والمال، وهو الكتاب الذي يُهذِّب الإنسان، ويجعل منه شخصيةً راقية حضارية في أقواله وأفعاله وسلوكه، مطمئن البال ومنشرح الصدر.
وإذا تحدثنا عن الأخلاق، فهي المصدر الرئيس للأخلاق الحسنة، والدستور للحياة الطيبة التي يرجوها أي إنسان، والدليل على ذلك هو خُلق الرسول ﷺ، هكذا قالت السيدة عائشة رضي الله عنها، عندما سألها أحد عن أخلاق الرسول ﷺ، فأجابته: كان خُلق الرسول ﷺ القرآن.
ويحظى صاحب الأخلاق الحسنة بمكانة عالية وثواباً عظيماً من الله، يقول الرسول ﷺ: (إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا)، وقال أيضا: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق)، فعلينا أن نُدرك ونقدِّر هذا الأجر العظيم والمكانة الرفيعة والمعاني الراقية، ونسعى جاهدين للتحلي بالقيم والأخلاق الحسنة، فالإنسان محاسب على أخلاقه كما يحاسب على أعماله، يقول سبحانه: {وَإِذَا حُیِّیتُم بِتَحِیَّةࣲ فَحَیُّوا۟ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَاۤ أَوۡ رُدُّوهَاۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءٍ حَسِیبًا}.
وفي القرآن الكريم، آيات كثيرة تحثُّ وتدعو إلى الأخلاق الحسنة، مثل الصدق والأمانة والرحمة وصلة الأرحام والبِر ومراعاة مشاعر الناس ومساعدة المحتاج والوقوف مع المستضعفين ونصرتهم في الشدائد، وهناك أيضاً آيات كثيرة تَحثُنا أن نبتعد كل البُعد عن السلوك السيء، كالظلم والكذب والغش والغيبة والنميمة والتجسس وتتبع عورات الناس، ويمكن للإنسان أن يتحلّى بالأخلاق الحسنة من خلال تدبر وتطبيق آيات القرآن الكريم ووصايا نبيه الكريم ﷺ والتدريب عليها وتطبيقها، وأن يُحسِن الإنسان نيّته ويجعل هدفه الأسمى رضا الله عز وجل، وأن يستمر ويصبر ويستعن بالله ولا يعجز ، ويسعى لتدريب نفسه بأن يتكلم بالصدق والكلام الطيب وما يؤتي الثواب والأجر، والإبتعاد عن كل ما هو مؤثر سلبي، يجلب السيئات والآثام.
وهنا سوف أطرح هذا المثال الواقعي عن ما يمر به أهلنا في قطاع غزة من العدوان والظلم من الصهيونية والذي أصبح واضحاً للعالم أجمع، فقد مارس العدوان الإبادات الجماعية والإعتداءات الشنيعة على الأبرياء من الأطفال و النساء والرجال وكبار السن، ووصل بهم الحال إلى العدوان غير الإنساني على المستشفيات والمخيمات، فأين هي الأخلاق والقيم التي يتحدثون عنها؟ وهذا الأمر لا يُستغرب، فعندما تنعدم الأخلاق والرحمة فالنتيجة تكون قتل أكثر من ١٥٠٠٠ ألف شهيد خلال مدة لا تتجاوز الشهرين، بل لا يُبالون بحال الأطفال والنساء والمدنيين، ولا يتألمون أو يأسفون لقتلهم، بدون أدنى مراعاة للنفس البشرية ولا لصاحب الحق والأرض، فأين هي الأخلاق؟
ونحن المسلمون والعمانيون خاصة أكدنا وقوفنا مع قضيتنا الفلسطينية التي هي قضية الأمة، وسنبقى معهم مُساندين، وسوف نُعلِّم الأجيال والأبناء بأن فلسطين صاحبة الأرض والحق وأنها مُحتلة، ونحن لا نرضى بالظلم ولا بالظالمين ولا لمن ينتصر للظلم والظالم، وهذا ما علمنا به ديننا الحنيف وأخلاقنا أن نكون مع الحق، وهذا ما أكده نبينا، حين قال ﷺ: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره).
