د. سعيد محمد السيابي
الكاتبة أنوار العتيبي تقول: “ربما لا توصلني كلماتي إلي ما أريده حقا، ولكنني متأكدة بأنها علي الأقل ستخفف من وطأة ما يعانيه جوف فؤادي من الكتمان”.
من هذه الكلمات نقوم بقراءة النداء بالصوت العالي الذي يقوم به الكاتب الكبير ابراهيم عبدالمجيد في عنوان كتابه الجديد “آفة حارتنا بين الذاكرة والنسيان”، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية.
يطوف كتاب “آفة حارتنا” في المقالات المتفرقة التي نشرها الكاتب بين عامي 2019 _2023 في الصحف المصرية والعربية والمواقع الثقافية وفي وسائل التواصل الاجتماعية، فهناك مقالات تحمل خصوصية نشرها على صفحته عبر فيس بوك، ليمارس إعلام المواطن الحر الذي يسجل ما يهمه ويؤمن به ويسعى إلى التغيير الايجابي من خلاله.
الكتاب يأخذنا لسحر الحرف الذي يمتلكه الروائي إبراهيم عبدالمجيد، ويزيد من قوته صدق التجربة الكتابية للموضوعات التي يتناولها، فهو تجربة حياة ومسؤولياتها التي كانت منبع للكثير من القضايا التي طرحها الكاتب الكبير ابراهيم عبدالمجيد.

فعتبة العنوان “آفة..” وهي في المعاجم تحمل معنى “الخلل، والعطل، والمفسدة، والرَزيئة، وكل ما يصيب شيء فيفسده، من عاهة أو مرض”، وهذا ما كان يكتب عنه في مجمل الموضوعات من تطرف فكري، وسياسي، وديني، واجتماعي، وينبه القارئ إلى أن الحارة/ المجتمع يتعرض لهذا الخلل بانتشار آفة تمسح الذاكرة فلا تعود تحتفظ بالجمال ولا تستذكر القوة الداخلية التي تمتلكها، ويزيد النسيان من محو كل القيم والتجارب والعلامات الكبيرة التي تحققت في المجتمع المصري والعربي والإنساني.
عناوين المقالات الفرعية تحمل هذا التطواف والتنوع حول التنبيه من الذاكرة القصيرة والنسيان الذي يقود الحاضر، بحيث يجعل من التراكم المعرفي السابق ليس له مكانه مع وجود الاإغاء للذاكرة التي تحمل القوة والإرادة للإنسان العربي التي كان يتحلى بها، لهذا مشاكله الحالية والآفات التي يعانيها بسبب الدخول في هذا التقصير، وعدم الاستفادة من الإمكانيات الكبيرة، والتاريخ العظيم الذي تراكم لعقود وأجيال من الإنتاج الحضاري.
إن آفة حارتنا عند ابراهيم عبدالمجيد تكمن في عادتنا التي ذابت من الذاكرة ودخلت في النسيان، فيقول: “أهم المعارك الآن هي أتفهها مثل المعارك حول الافتاء، حتى إنه يبدو لي أن هناك من تخصص في إرسال الأسئلة التافهة لدار الإفتاء، وتشغل هي بالإجابة عليها فتمتلى صفحات الميديا بين ساخرين ومؤيدين، وأكثرها في علاقة الزوج بزوجته، كأن الزواج صار مهمة شاقة!!”.
إن ابراهيم عبدالمجيد يعيد المشكلة إلى الأصل ولا يقفز عليها، ويضع ميزان العدل بمن يمسك بزمامه فيقول: “الدولة تعرف طريق الخروج من هذا كله، فهي صاحبة المدارس، وصاحبة الإعلام، وصاحبة الحكم المحلي، تستطيع أن تغير مناهج التعليم، وأن تغير سياسة الإعلام ليكون نافذة على الأفضل، وعلى الحقائق وليس على الأوهام”.
إن الكثير من الايجابية تدفع بعض السلبيات القائمة التي يمكن لكل من يبحث في تطور دول العالم يجدنا كدول عربية نمتلك مثلها، فالعقول والكوادر المؤهلة متوفرة بل وتهاجر بالإجبار لدول تستقطبها لتصل للعالمية، فما يعيبنا التأجيل للحلول الجذرية، واختصار الأمور بحلول موقته بتخدير موضعي، لهذا يستمر المرض مع وجودة الآفة المسببة له.
في العديد من المقالات ينبه الكاتب صراحة إلى الدور الإعلامي فهو رجل عاصر العديد من التحولات الحضارية في مصر، وشهد التجاذبات، وكتب عن الدور المهم والعملي الذي يجب أن يتحلى به صاحب أخطر دور في نقل الحقيقة وصوت المواطن، فها هو يقول: “فلم يحدث أبدا في طفولتي وصباي حين كنت أسمع الإذاعة، ثم في شبابي بعد أن دخل التليفزيون البلاد، أو بمعنى أدق بعد أن صار لدينا تليفزيون في البيت، أن سمعت أو شاهدت مذيعا يشتم في الناس، لم أسمع في حياتي لفظا نابيا من مذيع، بينما صار لدينا الآن من تخصصوا في ذلك”.
إن هذه السلوكيات المرفوضة أصبحت الشائعة وليس الاستثناء فلا الإعلام أصبح شريكا ولا الإعلامي يقود المشهد الثقافي والفكري ويتحمل القضاء على الآفات المحدقة بالإنسان العربي الذي تكاثرت عليه الإسئلة التي لا يجد لها تفسير ولا يجد لها إجابة تحمل معنى وقيمة، فالآفات تتكاثر بإهمالنا للذاكرة القوية والتاريخ الكبير والإنسان المتخصص في علومه والإعلام الشريك الذي يمارسه دوره بمهنية وحيادية.
