عائشة بنت جمعة الفارسية
ولاية صور
تزخر المدينة بأبنائها الذين تربوا على عشقها، ينسلّ حبها رقراقا من عيونهم قبل أفواههم . وكذا هو الحال بمن زارها وسكن فيها ترنم فيها العديد من الخطباء والشعراء وأصحاب القلم يعيد لنا الشاعر ناصر البلال يرحمه الله ، الذي لم تكن مفرداته نثرا ولا شعرا تخلو من ذكراها .
في قصيدته ( ركب الخير )
والتي سبقت بشراه عنها عقودا فتنبأ بعودتها حين قال :
عَادَتْ تَمَايَسُ كَالْجُودِىِّ مُشْرِفَةً
مَنْ ذَا يُمَاثِلُهَا؟! مَنْ ذَا يُجَارِيهَا؟!
عَادَتْ مَعَ الأَمَلِ الْمَوْعُودِ سَاعِيَةً
وَالشَّوْقُ لِلْمَوْقِفِ الْمَعْهُودِ يُزْجِيهَا
عَادَتْ لِمِيقَاتِهَا الْمَكتُوبِ مُحْرِمَةً
تَحُجُّ مِينَاءَهَا تُمْلِي أَمَالِيهَا
عَادَتْ تُوَقِّعُ زَهْواً لَحْنَ عَوْدَتِهَا
فَبَادَرَتْهَا الرَّوَاسِي الشُّمُّ تُدْنِيهَا
عَادَتْ تُعَانِقُ تَارِيخاً وَمَلْحَمَةً
عَاشَا بِوِجْدَانِهَا دَفْقاً يُرَوِّيهَا.
ولا شك أن لتضاريس المدينة وموقعها الجغرافي ، الأثر الأكبر في إضافة مسحة ولو بسيطة لساكنيها.
فما بالك بمن تمرغوا في ترابها، ولبسوها عافية وسقما .
فنحن البحر إن ثار، ونحن نحن إن سكن .
ويأتي ذلك الامتداد البحري لموقع جنوب الشرقية يتجاوز طوله مئات الكيلومترات .وكأنها طرحة عروس بلون أزرق تموجت مع ما يجره شاطئها مدا وجزرا استكانت قمته . وهزجت نهاية أطرافه طربا بأثير بحر العرب كلما شعر بالمسير لربابنته ، هاج وماج ورفرف طرف الطرحة لا يعرف للسكون دربا ولا وجهه .
تلفظ قيعانها صنوفا مما تكتنزه لترتمي على أطرافه وكأنها تزخرفه من خيراته .
ومن صور طارت نوارس الخير ربابنة البحر تجوب الغنجة والسنبوق والبوم وغيرها موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر ، والهند وشرق أفريقيا .
قوافل البحر التي زمجرت أمواجه بهم يمخرون عبابه تسلحوا به و معه ، علما ومعرفة بشتى صنوف العلوم من الفلك والرياضيات واللغات فضلا عن ثقافات الشعوب الأخرى .
عادت صور، مدينة التاريخ البحري يتناغم قديمها بحديثها ،درة نسجت بحروف ذهبية منارا على خارطة الوطن العربي، تزهو عمان بها كما تزهو بجميع مدنها .
سحرت أم المدائن ناظرها ،بذلك الإرث الذي به تزخر العفية ،في وديانها تلك البيئة المترفة من لآلئ حصى الوادي وشجيراته تهف نسائمها ضحى وعصرا بتغاريد الطيور تحتضن تربتها تلك السامقات والتي لم يألوا جهدا صاحبها عناية ففاضت له جنى .
تتوزع تلالها و جبالها أوتادا تحيط بها.
لم تثني ساكنيها من بلوغها تجد آثارهم شاهدة لخط مسير قوافلهم .
عادت لتوقع زهوا ومفخرة عاصمة للسياحة العربية .
تحوي صور في كل ركن فيها جمالا ينتظر مساعي كل من يحبها ليشعل الفنار في تلك الزوايا فتنير الأمكنة المختبئة من سهولها و على جبالها وتلالها و بين حواريها.
ولا ريب أن تلك الأفئدة العاشقة لها لن تألوا جهدا في فكر أو عمل أو همة لتكون مزارا نفخر ونفاخر به.
(فَصُورُ ذَاكِرَةُ الإِبْحَارِ، تَذْكُرُهَا
مَوَاخِرُ الْبَحْرِ مُذْ جَابَتْ مَوَانِيهَا
وَصُورُ ذَاكِرَةُ الأَمْجَادِ تَعْرِفُهَا
أُسْطُولَ خَيْرٍ
عَلَى اسْمِ الله مُجْرِيَها ).
