أحمد بن ناصر الراشدي
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وما صاحب هذه الحرب من دمار وتجويع وانهيار لجميع مبادئ حقوق الإنسان، اجتمعت ما يسمى بالدول العظمى آنذاك (الدول المنتصرة في الحرب) في باريس عام 1920 وانشؤوا عصبة الأمم المتحدة التي كان هدفها الرئيس هو الحفاظ على السلام العالمي، لكن “عصبة الأمم” تلك لم تضم جميع دول العالم، بل اقتصر مجلسها التنفيذي فقط على الدول القوية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى، وهي إنجلترا وفرنسا وإيطاليا واليابان. حيث ضمت عصبة الأمم المتحدة بين عامي 1934 و1935 قرابة 58 عضوا، وكانت اللغات الرسمية التي تعتمدها هي الإنجليزية والفرنسية.
وبالإضافة إلى المجلس التنفيذي، شمل هيكل عصبة الأمم أيضا أمانة عامة دائمة ضمت خبراء في مختلف المجالات تحت إشراف الأمين العام، وكذلك كان للعصبة ركنان أساسيان هما المحكمة الدائمة للعدل الدولي وتقوم بإصدار الأحكام في حالات النزاع الدولي ومنظمة العمل الدولية، وأيضا كانت هناك العديد من الوكالات واللجان الثانوية، وتم تخصيص ميزانية لكل منها، علما بأن العصبة كانت مدعومة ماليا من الدول الأعضاء فيها.
وعلى الرغم من جهود الرئيس الأمريكي آنذاك ويلسون لتأسيس العصبة والترويج لها، والتي أهلته ليحصل على جائزة نوبل للسلام في أكتوبر 1919، فإن الولايات المتحدة لم تنضم إلى العصبة أبدا.
وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بدأت عصبة الأمم المتحدة في السقوط، ومن أهم الأسباب التي أدت إلى سقوطها عدم انضمام الولايات المتحدة الأمريكية لها كما أنها كانت تنفذ أجندات تابعة للدول العظمى المكونة لها على حساب السلام العالمي.
ولهذه الأسباب سقطت عصبة الأمم التي لم تكن تعمل وفقا للهدف الذي أنشئت له.
نرى الآن نفس الموقف يتكرر مع الأمم المتحدة التي أنشئت عام 1945 والتي خلفت عصبة الأمم المتحدة وجعلت من الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين شعاراً لها.
ما حدث في الحرب العالمية الثانية وسقوط عصبة الأمم المتحدة يتكرر حرفيا مع ما يحدث الآن في حرب الاحتلال الصهيوني على غزة وازدواجية المعايير التي تتعاطى معها الأمم المتحدة.
فلم نجد أي موقف صريح وواضح وحل جذري لوقف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني سواء في قطاع غزة أم في الضفة الغربية، ولم نستشعر على أقل تقدير أي اهتمام من الأمم المتحدة ومكوناتها في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين في المنطقة سوى بعض التصاريح التي أدلى بها الأمين العام للأمم المتحدة بداية الحرب ومن بعد ذلك اختفى!
المتتبع للالتزامات الدولية التي أقرتها دولة فلسطين على نفسها سيجد أن فلسطين انضمت وصادقت على جميع المواثيق والعهود الدولية المعنية بحقوق الإنسان سواء كانت اتفاقيات تعاقدية اقرتها الأمم المتحدة وبروتوكولاتها الملحقة أم تلك الالتزامات القانونية المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما) وكذلك الالتزامات الدولية الخاصة بمحكمة العدل الدولية.
وفي الجانب الأول الخاص بالآليات التعاقدية لم نلمس أي إدانة من أي هيئة من هيئات المعاهدات وفق الأعمال المنوطة بها لما يحدث من تجاوزات لحقوق الإنسان ازاء الشعب الفلسطيني، مثالا لم تصدر اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب أي بيان عاجل على ما يحدث في سجون الاحتلال الصهيوني من تعذيب بحق المدنيين الفلسطينيين والذين رأينا بعضاً منهم عندما تم الإفراج عنهم مشوهاً جسدياً ونفسياً جراء التعذيب المستمر ولم نلمس منها رغبة في زيارة سجون الاحتلال للوقوف على هذه الانتهاكات.
وكذلك لم نسمع عن أي تقرير أصدرته لجنة حقوق الطفل جراء ما يحصل من قتل واستهداف للأطفال وهدم المدارس والمستشفيات وحرمان هؤلاء الأطفال من حق العيش الكريم في قطاع غزة تحديدا، وكذلك لم نر وجودا للجنة الخبراء الخاصة باتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري الذي ينتهكه الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين وبشكل متكرر ومنظم ويمارس على مستوى واسع النطاق.
وقس على ذلك الانتهاكات الجسيمة والجسيمة جدا لما يفعله جيش الاحتلال بالقانون الدولي الإنساني وضرب جميع المعايير الحقوقية عرض الحائط فقام بقصف الأعيان المدنية كالمدارس والمستشفيات والأسواق بكل وحشية دون مراعاة ولا تفرقه بين الأهداف المدنية والعسكرية.
في هذا الصدد هل تم اتخاذ أي إجراء ضد هذا الكيان المحتل وتحويل القادة العسكريين الى محكمة الجنايات الدولية على أنهم مجرمو حرب؟ طبعا لا!
ازدواجية المعايير التي أسقطت عصبة الأمم تظهر مجددا فيما يسمى بالأمم المتحدة، التي لم تنل من شعارها نصيب (حفظ الأمن والسلام الدوليين) بل عكس ذلك بدليل الممارسات المشينة لمجلس الأمن في أي قرار من شأنه ان يساعد على إيقاف هذه الحرب.
ختاماً هل ستسقط الأمم مثلما سقطت العصبة، أم أن لها من شعارها بارقة أمل؟!
