د. سعيد بن محمد السيابي
“السلطة هي الداء والدواء، فلا غنى عنها، ولا مفر منها”. من كتاب صدر حديثا بعنوان (ما السلُّطة؟) في سلسلة الأسئلة الفلسفية لبيت الفلسفة بالفجيرة للدكتور حسن حمّاد أستاذ الفلسفة بكلية الآداب وأستاذ كرسي الفلسفة لليونسكو بجامعة الزقازيق.
هذا الكتاب يبحر في ثلاثة فصول، ونستشرف ما جاء فيه لفهم عميق لفتح مغاليق هذا المصطلح وتطوراته.
ينطلق في المقدمة حول التساؤل الذي أطلق عن هذا المفهوم والذي يقود لتعريف اللغة العربية له، فجاء مما يتحمله من معاني ما يلي: القوة، والتسلط، والتحكم، والسيطرة، والتمكين، والسلطان.
وفي اللغة الانجليزية هناك كلمتان تستخدمان بمعنى السلطة: الأولى ( power )، والثانية ( Authority )، وتعني القوة، والقدرة، والمقدرة، والاستطاعة.
ومن تجليات تعدد المعنى لكلمة السلطة حين تستخدم مقرونة بغيرها، فعلى سبيل المثال: سلطة الدولة، وسلطة المال، وسلطة الرأي العام، وسلطة الإعلام.. وفيها مصطلحات مطاطية ومراوغة ومتحولة كسلطة الوهم، وسلطة التفاهة، وسلطة الشهرة والنجومية..فعلى الرغم مما كتب عن هذا المصطلح إلا إنه لا يوجد تعريف محدد لماهيته.
إن ارتباط السلطة باللغة ارتباطًا وثيقًا وفيها تحمل الكلمات تأثيرا قويا أفضل من كافة وسائل القمع، والسيطرة المباشرة، وفي التاريخ دروس وعبر عن امكانية ما تحرزه الكلمات، والاستعارات، والشعارات، فاللغة أقل تكلفة من كل وسائل الحكم والسيطرة والتحكم. ولا شك في أن استعارة ( الراعي والرعية) تمثل واحدة من أقوى الاستعارات التي تم توظيفها في معظم الثقافات القديمة، والدينية، والاستبدادية، بما يجعلها تبدو كالهواء الذي لا يمكن أن يستغني عنه الكون في مجال السلطة السياسية وخطابها للشعوب.
ومع تبدل خطاب السلطة الرعوية الذي ساد في قرون كثيرة، وأدخل الإنسانية في نفق المجازفات، والمجاملات ظهر خطاب آخر للسلطة مع بداية عصر التنوير، وانتقال السلطة من الراعي إلى الرعية أو من سلطة التفويض المطلق إلى التشاركية وسلطة العقد الاجتماعي، ومن سلطة النص أو النقل إلى سلطة العقل. مما مهد لظهور سلطة الحداثة في مواجهة السلطة الرعوية وتصحر الحياة السياسية وغياب العقلانية في مقابل تسلط الخرافة والأفكار الغيبية التي سقط أغلب شعاراتها مع ما يمليه العقل من منطق والعلم من حكمة والتجربة من مناسبة للواقع المعاش الذي حد من تبعية الأقاويل إلى فلترة المناسب والجديد والمتسارع والمهم في ترتيب الأولويات للإنسانية التي تأثرت بفعل سلطة الحداثة ومناسبتها وأنتقلت من شروط الضرورة إلى آفاق التحرر، ومن واقع التخلف إلى حلم التقدم، ويعكس الوعي الحداثي لرؤية جديدة للعالم والكون.
تقدم مسرحية ( الملك لير) حالة لعملية التجرد من الأقنعة والتحرر من الملابس والأغطية شعار العالم القديم للحياة، فالحقيقة بالنسبة للير الملك هي ما يضطر الإنسان إلى مواجهتها حين يكون قد فقد كل شيء يستطيع الآخرون أن ينتزعوه منه، فيما عدا الحياة نفسها. فتجربة لير مع عائلته وتحديدا بناته عندما وزع مملكته عليهن ليرتاح باقي عمره من هموم السلطة السياسية ومسؤولياتها، فما كان من السلطة الجديدة لعائلته إلا مزقت قناعها العاطفي ولم تابه بأبسط أنواع الكرامة الإنسانية لملك كان هو الأب دون شريك، فنجده ألقي به خارج أبواب قصره في منتصف الليل، وسط صدمة مهوله يقول عنها: ” هذا ما تؤول إليه الحياة الإنسانية في النهاية: الوحيد والفقير متروكان للبرد القارس، في حين أن اللئيم والمتوحش والسافل يتمتعون بكل الدفء الذي تستطيع السلطة أن توفره”. وفي ذروة المسرحية يقدم لير الذي كان ملكا والراعي الأول للمملكة بعد كل هذا الكشف للحقيقة التي تجلت له بأن من كان يقدسه لحساب السلطة وليس الأب والإنسانية لذا ينتزع ثيابه الملكية انتزاعا، ويصرخ بأعلى صوته: ” انقلعي ، ابتعدي عني أيتها الأشياء المستعارة”. إن الحداثة تميل إلى أن لا يبقى شيء أمامها محظورا من النقد، ونموذجها المجتمع المدني الذي يعترف بكيان الفرد، وإنه عنصر مهم في الدولة التي أصبحت مهمتها الذود عن مصالحه وحمايته، والعمل على أن يعيش حياة حرة، وكريمة.
وفي الفصل الثالث والأخير الذي ناقش السلطة في المجتمع ما بعد الحداثيّ وقدم الكاتب قراءة لفكر اثنين من الفلاسفة والمنظرين هم: هربرت ماركيوز، وميشيل فوكو، فقد كانت السلطة تتكامل وتتناغم ليس مع النظام السياسيّ، بل مع كافة المكونات العلمية، والتربوية، والصحية، والثقافية. وأن الجديد في سلطة ما بعد الحداثة تمارس باسم العقل، ومن خلاله، وباستخدام التقنيات الحديثة وإمكانيتها المتعددة التي بثتها الشركات التكنولوجية العملاقة والتي استطاعت أن تروض الإنسان وتجعله أليفا وغير قادر على الرفض والتمرد، وأن يتحول إلى إنسان مسالم لديه المقدرة على التعايش مع الآخر، وعلى قبول الإختلاف، وأن حريته مفقودة بالمعنى الوجودي الذي يستطيع أن يكون نفسه، لكنه لا يحيا في وهم أنه الوحيد الجدير بالحرية، او أنه الوحيد الذي يحمل الحق في حرمان الآخرين من حريتهم.
تساؤلات كثيرة ومهمة قدمها هذا الكتاب للقارئ العميق حول السلطة مع نماذج موضوعية كثيرة للتحولات التي مرت بها والطموحات التي قادتها والإنكسارات التي خلفتها، ويبقى الإنسان هو المصدر الأول للسلطة والحكمة ضالته فيها ومعها وبها.
