د.سعيد محمد السيابي
إن ما قدمتها المدرسة التعبيرية من صور وحالات عن مكنونات النفس الإنسانية والأزمات التي تعصف بها، والأعماق السحيقة للأمراض النفسية وتراكماتها وحضور الشخصيات دون أن تحمل أسماء، وغيرها من السلوكيات البشرية القاتمة في الكتابات المسرحية والفنون التشكيلية والكتابات الأدبية التي نسجها الخيال، هي مجرد اعمال تعبيرية، ولكن أن تكون جميع هذه المظاهر شاهدة وحاضرة في الواقع القاسي الذي شاهدناه في حرب غزة بتاريخ ٧ أكتوبر التي تحمل في طياتها طبيعة بشرية بشعة لم تراعِ أبسط الحقوق الإنسانية ولا القوانين الدولية، فهذا شيء عجاب.
إن الأصوات البشرية التي وجدت نفسها تكتم تحت الأنقاض من غير حول لها ولا قوة في تسجيل لأعلى درجات البشاعة الإنسانية المريضة في تجسيد للمدرسة الطبيعية التي كانت متخيلة، أصبحت كابوسا واقعيا في هذه الحرب.
إن الفعل وردات الفعل واردة في الواقع السياسي والحروب، ولكن هذا الانتقام الكبير دون سقف وجب قراءته وتحليله من نواح كثيرة، لعل المستقبل الإنساني السوي ينقذ في قادم الأيام ما تبقى من قيم وأخلاق ومبادئ رفيعة تستوجب التشديد عليها، وعدم السماح للمرضى السياسيين والعسكرين من تجاوزها بأي حجة كانت، فمباني المؤسسات الدولية خط أحمر والتعرض لها جريمة مكتملة الأركان، بالإضافة إلى المؤسسات الصحية والتعليمية فيها مبان لا تدخل بأي شكل من الأشكل في الصراعات، وعلى المجتمع الدولي حمايتها بصوت واحد وإرادة مجتمعة متحدة، وإلا فقدت هذه الإنسانية قوتها في العيش المشترك والكرامة الإنسانية التي ظهرت بعد خوض حروب عالمية طاحنة.
إن الصور والأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة الفلسطينة عن القتلى أرقام كبيرة شكك فيها بعض القادة والحكومات الغربية وكأن الإنسان المقتول أمام الكاميرات لم يكن له وجود مادي وهو يدخل في مزايدات (حق الدفاع عن النفس)، وكأن النفس الإنسانية الفلسطينية والعربية والمسلمة مستباحة لدى البربرية الغربية والثقافة الاستهلاكية، فنزيد عليها في حقد الصهيونية المادية التي تضع من البحر إلى البحر أطماعها! فكيف بالوجه الآخر المظلم للحرب في الدمار وما خلفه تحته من أرواح قضت تحت الأنقاض والتفجيرات الكبيرة التي خلفت مبان سقطت على رؤوس ساكنيها من غير حول ولا قوة لهم، فمن استطاع أن يوصل صوته للإنقاذ فقد حصل على المساعدة، ومن لم يستطع مع مواصلة القصف كُتبت له الشهادة.
الأجساد والوجوه والأصوات التي تخرج بعد الإنقاذ كانت كثيرة وفي كل صورة وصوت رسالة عظيمة على الجبروت الذي كان وراء ما وقع لهم، فلم تكن تلك الأجساد التي تخرج إلا كمن دخل القبر وخرج منه وكتب له عمرٌ جديدٌ، والعيون كانت تتكلم بالألم الذي سببته الغطرسة، والدماء تنزل من كل الأجساد تكتب في الأرض التي تسقط فيها قيمة الرخص الذي تم جرحها عليه.
تعيش الصرخات من تحت الأنقاض وحدها طويلا، لتنطلق من القهر وتسجل في صفحات التاريخ، وتطارد القتلة والمجرمين في وضح النهار، وتقض ليلهم حتى مماتهم، والله غالب على أمره.
