د.نادية الأزمي
- تمهيد:
استطاعت المرأة المبدعة عبر كتاباتها أن تكون الأقرب إلى معاناتها وبنات جيلها، وأن تطرح المواضيع الأكثر ارتباطا بواقعهن، وهكذا عالجت الكتابة النسائية مواضيع شتى، لصيقة بهموم المرأة والمجتمع وقضاياها تلك التي ترتبط بالواقع وتؤرق فكرها. فقد كان لها الدور الفاعل في طرح القضايا التي تلامسها متكئة على تراثها الغزير التي أسهمت فيه من قبل شهرزاد وأخريات عبر تاريخ عالمنا العربي والإسلامي” وعائشة بورجيلة واحدة من الكاتبات المغربيات اللاتي حاولن عبر كتاباتهن تسليط الضوء على بقعة ظلت مُعتِمة. فنجدها على أهبة البوح تدس رسائل ترسم من خلالها بورتريه لرجل تحبه، كما وتكتب يوميات عن الفرح والأمل والأمنيات. بل تضع اليد على الخلل؛ حين تتحول العلاقة غريبة وغير مفهومة بين المعلم ومن درّسهم. إذ نجدها تدعونا إلى عدم القلق فلابد أن يرتدَّ الفرح يوما إلى مساره الحقيقي.
إذن تعود لنا القاصة المغربية عائشة بورجيلة بمجموعة قصصية ثانية؛ حملت عنوان “أدمنت هذا الوجع“. جاءت المجموعة في اثنتين وثمانين صفحة من القطع المتوسط، تضم تسعة عشر نصا تميزت بطرقها مواضيع تهم قضايا الناس والذات؛ مؤكدة انصهارها وأوجاع الواقع وتمظهراته المختلفة.
- العتبات النصية محاولة فهم لتشكلات النص :
القصة القصيرة جنس أدبي حديث؛ يمتلك قدرة هائلة على تصوير تصرفات الإنسان ووصف أحاسيسه. وينحاز للتكثيف والرمزية والإيحاء بعيدا عن الإطناب. ولقد ركز الوعي النقدي الجديد على مجموعة من المقاربات النقدية، لدراسة هذا الفن الأدبي. واتفق جل نقاد القصة القصيرة؛ على اعتبار العتبات (العنوان، الخطاب المقدماتي، اسم المؤلف، صورة الغلاف، التقديم…) خطابا موازيا، إذ تصبح عاملا مساعدا على قراءة سليمة ومثمرة للعمل الإبداعي. من هنا جاءت أهمية دراسة العمل الإبداعي انطلاقا من مجموعة من العتبات، التي يصعب تجاوزها. فكما أننا لا نلج فناء الدار قبل المرور بعتباتها، فكذلك لا يمكننا دخول عالم المتن قبل المرور بعتباته“.
وعليه نقدم هذه المقاربة النقدية لمجموعة “أدمنت هذا الوجع” من خلال رصد بعض من العتبات النصية في محاولة لفهم تشكلاته، باعتبارها مداخل توجيهية تُحفِّز القارئ لولوج النص الأدبي الإنساني، وتدفعه للتفاعل مع مواضيعه. فهي تشي بدلالات تستحث القارئ على المتابعة.
- الغلاف فضاء من المحفزات الخار جية:
يُعدُّ الغلاف العتبة الأولى التي تصافح بصر المتلقي، فتُحفِّز اهتمامه بالعمل الأدبي قبل الاطلاع إلى عوالم النصّ اللامتناهية. فهو من المفاتيح الاستباقية التي تضيء عوالم النص، وتشكل ملامحه، وتحدد هويته، وتجعله ينفتح على مرجعيات متعددة. وغلاف المجموعة القصصية “أدمنت هذا الوجع” يحمل إشارات متعددة بدءاً من العنوان، وصولا إلى مسند اللوحة على الفضاء البصري، وألوانها المتفاوتة المتداخلة. ما يدل على الارتباط اللفظي البصري، أي الكلام الذي يعبّر عن صورة“.
فإذا كان العنوان أول مثير أسلوبي يتلقاه القارئ من النص؛ وأول ما يلفت انتباه المتلقي لوقوعه في الواجهة (أعلى الغلاف). فإن غياب تأطير اللوحة الفنية التي تتشكل منها لوحة الغلاف وألوانها المُلفتة، تعتبر منبها قويا وملفتا للانتباه فاللون من أظهر خواصّ” الشيء” للعين“.
تتشكل لوحة الغلاف _وهي من توقيع فارس غصوب _من لونين “البرتقالي والأسود” المتنافرين مع بعض البياض المتناثر هنا وهناك. وإذ يثير اللون الأسود في النفس مشاعر الحزن والاكتئاب؛ وهو مرتبط بالموت في بعض الثقافات إذ ” عُدَّ رمزا للحزن والألم والخوف من المجهول، والعدمية والفناء“. _ما يعكس حالةً من التشاؤم في بعض النفوس البشرية. على النقيض نجد اللون البرتقالي الذي هو مزيجٌ من اللونين الأحمر والأصفر، ويحمل خصائصهما معًا. يُعبِّر عن الشعور بالحرية والطاقة كما يعتبر منشطًا للجسم، ويزيد الثقة بالنفس.
ما يُفسر حالات القلق العام الذي تعيشه شخصيات المجموعة، فتارة تجدها خاضعة وأخرى مشاكسة متمردة. تقول الساردة على لسان بطلة قصتها بانتظاره ” تفترش الأرض، تلتحف السماء، تعانق الأمل، تنظر إلى مكان ما، أو إلى شخص ما، ليس بالضرورة ـ ولا يمكن ـ أن يراه المارون العابرون” هي حالة اللا استقرار التي تعيشها البطلة في انتظار بارقة أمل تعيد إليها رمز الحياة وسرها “سي الحسن” ولا تفقد الأمل برغم استنكار الآخرين وعدم ثقتهم في عودته. وأيضا نقرأ ” هو الوجع الحزين الجميل الذي أدمنته..“ نجد هنا نوعا من التماهي مع الوجع؛ مع إضفاء صفات الجمال عليه والركون إليه بل إدمانه.
وعلى الغلاف الخلفي للمجموعة الذي تميّز بأرضيته البيضاء ، إضافة إلى نبذة مختصرة عن الكاتبة ، نقرأ مقتطفا من نص على أهبة البوح بأعلى الغلاف تقول فيه الساردة “شظاياي التي تتناثر منّي قسراً، تعيدها الكلمات إلى جسدي وروحي، فأشعر أني على حافة التّوازن، وأهبة البوح..” ما تؤكد من خلاله الكاتبة _اعترافا ضمنيا_ بأن فعل الكتابة هو في الحقيقة إعادة ترتيب للذات و بناء توازنها. وهو مُكتسب حقيقي؛ لا ينال شرفه إلا من خَبِر الحياة ومطباتها، ووجد شغفا حقيقيا في مشاكسة الحرف، لإعادة بناء ما انهار وتهاوى وخرَّ منتكِساً. أو كما قالت” سأحرر نفسي من عقدة ما.. سأكون عادية، وسأتصرّف بشكل مريح..“.
- العنوان؛ مُفخَّخ يثير حيرة المتلقي:
العنوان من العتبات الرئيسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فهو أسُّ النص وركيزته التي تمدُّنا بعُدَّة لتعرُّفه. ولقد أضحت عتبات الكتابة، بما فيها عتبة العنوان، جزءاً لا يتجزأ من فضاء النص. و”إن وظيفة العنوان مرتبطة جدلا، بوظيفة الملصق، والصورة التي يحملها، والممكن اعتبارها عنوانا بصريا، بينما يبقى العنوان الآخر صورة لغوية“ فالعنوان علامة لسانية وبصرية وتشكيلية تثير لدا القارئ قلق السؤال ورغبة التغلغل في أعماق النص وكشف دلالته.
وتموضعَ عنوان المجموعة “أدمنت هذا الوجع”؛ بعد اسم الكاتبة، )الواقع أعلى الغلاف). وكتعيين للجنس الأدبي الذي تنضوي تحته المجموعة كُتبت عبارة “قصص قصيرة”.
العنوان جاء على شكل جملة فعلية ] فعل ماض + فاعل ضمير متصل وهو (تاء المتكلم) [، ما يحيل على الشخصية الرئيسية ) الساردة). ومعلوم أن الجملة الفعلية توازي حركية السرد وتُحيل على الحركة والاضطراب، حيث يغلب على العنوان السرد على لسان الساردة وبضمير المتكلم ” أدمنتُ”. إضافة إلى هذين الركنين الأساسيين، اشتملت الجملة على متممين آخرين: الأول: اسم إشارة، والثاني: نعت.
هذا العنوان المُفخَّخ يثير حيرة المتلقي؛ فيقودنا إلى مجموعة من التأويلات. ويدفعنا إلى طرح أسئلة قد تُفرِّخ إجابات تضيء مسار المجموعة.
كيف يمكن إدمان الوجع؟!
وعند أية لحظة يمكن إداركه؟!.
ومتى نقرُّ بهذا الادمان؟!.
فإذا كان الإدمان قد وقع في الماضي، فهو مازال حاضرا بقوة الوجع، بل نستشعر صعوبة الانفلات منه كونه أصبح إدمانا. إذن هو الوجع الممتد من الماضي إلى حاضر كتابة المجموعة. لكنه قد لا يستمر ما دامت الكاتبة تبحث عن الخلاص نقرأ قولها “سأحرِّر نفسي من عقدة ما… سأكون عادية، وسأتصرّف بشكل مريح..“، هذا التحرُّر يتأتى من خلال جعل هذا الاحساس بين يدي قارئ مفترض، والذي قد يتقاسم معها الألم نفسه؛ وربما يبحث معها ومن خلال نصوصها عن الانفلات. ما يدل على انصهار الكاتبة وأوجاع الواقع المجتمعي وتمظهراته المختلفة وقلقه العام.
ثم إن اسم الإشارة ) هذا )؛ الذي جعلته الكاتبه جزءاً من العنوان. يدل على القرب والالتصاق بالوجع، وتمكُّنه من البطلة )الساردة)؛ ويجعل من الخلاص مطلبا صعبا ـ نوعا ما ـ.
فيما يخص ” الوجع” فما نوعيته : هل هو وجع ذاتي؟! تعيشه الكاتبة في منآى عن الآخرين. أم وجع جمعي؟! تتقاسمه الكاتبة مع المحيطين بها؛ ويمكنهم أن يعيشوا الوجع نفسه.
هي أسئلة تثير مجموعة من القراءات والتأويلات المختلفة الأبعاد والمقاصد. لكنها حتما تتقاطع مع العتبات الأخرى على اعتبار” العنوان ” مرجع يتضمن بداخله العلامة والرمز، وتكثيف المعنى، بحيث يحاول المؤلف أن يثبت فيه قصده برمته كليا أو جزئيا، إنه النواة المتحركة التي خاط المؤلف عليها نسيج النص“.
- الإهداء / الاستهلال / المقدمة:
لا يتأتى فهم المتن إلا بقراءة العتبات المحيطة، أو النصوص الموازية التي حددها بنيس في كونها “العناصر الموجودة على حدود النص، داخله وخارجه في آن، تتصل به اتصالا يجعلها تتداخل معه إلى حد تبلغ فيه درجة من تعيين استقلاليته، وتنفصل عنه انفصالا يسمح للداخل النصي، كبنية وبناء، أن يشتغل وينتج دلاليته“. فالعتبات الداخلية مدخل أساسي لتفسير المتن القصصي، وتحديد جوانب مهمة من مقاصده الدلالية. وتتعدد وظائف العتبات الداخلية )الإهداء/الاستهلال/ المقدمة… )؛ بتعدد واختلاف طبيعتها وأيضا سياق تأليفها فهي تأتي مثبتة في النص القصصي على شكل إشارة؛ تسعى إلى تنبيه القارئ وتوجيهه وإخباره .. بمقصد مؤلفه وهذا ما يمكن أن نصطلح عليه باستراتيجية البوح والاعتراف “.
ونشير هنا إلى أن المجموعة لم تحمل إهداء في البداية؛ كعادة جل الإصدارات. والتي يعمد مؤلفوها إلى تقديم شكر وامتنان لمن قدموا لهم يد العون، أو أحاطوا إنتاجهم بالاهتمام أوسجلوا حضورا وازنا في لحظة من لحظات الإبداع. وبدأت المجموعة القصصية بالفهرسة وتحت مسمى “المحتويات”، لتبدأ مباشرة في سرد أحداث قصصها.
في المقابل ، تُقدم الكاتبة إهداء إلى نفسها، وتحديدا في القصة الرابعة من المجموعة “أدمنت هذا الوجع“ قائلة : ” إهداء إلى نفسي بمناسبة انتقالي من م.م النعيمية بعد أكثر من عشر سنوات عمل” وكأننا بالكاتبة تثور على كلاسيكية الإهداء والتقديم. بل تنطلق من رؤية متفردة لتقول للقارئ ذاك الوجع الذي أدمنته ها أنا ذي أسجل ضده انتصاراً هاماً، فبعد عشر سنوات يحق لي أن أغادر الهُنا وأنكبَّ على آختيارات جديدة. كمنهجية لرصد آلام البعد القسري الذي تضطر لمُساكنته سنوات طويلة، لكنه لا يفقدك الرغبة في التغيير.
كما ونجدها تورد تنبيها يتصدر قصة انتظار: بقولها ” حكايتي/ حكايتها ستنفذ إليك عبر مسامّات الروح، ولن تغادرك أبداً، فحذار الحكايات.” هذا اللَّفت انتباه تركِّز عليه الكاتبة لأنها تدرك حتمية تأثُّر القارئ بحكايتها، _ قضيتها الجوهرية_. وكأنني بها تشير إلى كونية حكايتها، وانصهارها بالواقع الإنساني الذي قد ينطبق على أغلبنا.
أما في نصها ؛”عن الفرح الذي سيرتدّ” فقد حمل إهداء ” إلى روح المخترع الصغير الكبير، عبد الله شقرون“. كأنها بهذا تعمد إلى ترسيخ ذكرى هذا المخترع المغربي، الذي ينتمي إلى الطبقة الكادحة ؛ والذي غادرنا في مقتبل العمر، تاركا وراءه نتاجا مهما وعلامات استفهام.
- كلمة أخيرة:
تنتمي عائشة بورجيلة إلى جيل الكاتبات المعاصرات؛ اللواتي حاولن من خلال الإبداع محاكاة الواقع. بل الوقوف على مكامن الخلل والمسكوت عنه؛ ليكون لأصواتهن صدى. حيث استطاعت الكتابة النسائية بفعل إرادة مبدعاتها، أن تحرق المراحل وأن تورِّث الأدب المغربي مجموعة من القوالب الفنية“.وهو نفسه ما صرحت به الكاتبة في إحدى حواراتها بقولها : “أومن إيمانا كبيرا بأن المرأة أقدر على تفهم هموم/ مشاعر/مواقف المرأة، بل لعلي أزعم أنه لا يفهم المرأة إلا المرأة“. وانطلاقا من هذا الايمان الراسخ لدى الكاتبة نجدها تحاول أن تكون صوت المهمشات؛ في بيئة تُحمِّل المرأة تبعات ما قد تحمله التوترات الحاصلة في الواقع. فتجِدَّ من خلال كتابتها مساءلة الواقع في علاقة الأنا بالآخر؛ سواء كانت الآنا فردية ]ضمير المتكلم[ أو جماعية ]نحن[.
لا شك أن العتبات النصية؛ عتبات استباقية تنير النص وتسهل سبل فهمه ، فهي تقدم مجموعة من المشيرات الدالة، التي تتآزر فيما بينها لإضاءة المجموعة القصصية ككل. وحيث اقتصرنا في هذه الدراسة على جوانب محددة من عتبات النص. في محاولة لأن ندلف منه إلى بنيات مُغلقة في النص“،. تظل المجموعة القصصية؛ مفتوحة على كثير من التأويلات. يمكن التطرق إلى تحليلها من وجهات تطبيقية أخرى وعبر دراسات جديدة.
- مصادر البحث:
عائشة بورجيلة: أدمنت هذا الوجع، دار الفارابي، بيروت ـ لبنان، ط1،2018.
- مراجع البحث:
- ابراهيم محمد علي: اللون في الشعر العربي قبل الإسلام، جروّس برس، طرابلس، لبنان، ط1، 2001.
- د. سمر روحي الفيصل: مصطلحات نقد الرواية، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1، 2016.
- شعيب حليفي: هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل، (دراسات في الرواية العربية)، النايا للدراسات والنشر،ط1 سورية، 2013.
- الطاهر أحمد مكي: القصة القصيرة، (دراسة ومختارات)، دار المعارف للطباعة والنشر،القاهرة، ط2، 1978.
- عبد الرزاق بلال: مدخل إلى عتبات النص (دراسة في مقدمات النقد العربي القديم)، افريقيا الشرق، 2000.
- فهد حسين: السرد الخليجي النسوي (المرأة في الرواية أنموذجا)، ، مسارات للنشر والتوزيع، الكويت، ط1، 2016.
- د. مصطفى سلوي: صحوة الفراشات: (قراءة في قضايا السرد النسائي المغربي المعاصر)، مكتبة الطالب وجدة، ط1، 2011.
- د. محمد بنيس: الشعر العربي الحديث، (بنياته وإبدالاتهاــ التقليدية)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 1،1989.
- المواقع الالكترونية
- https://www.diwanalarab.com/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B5%D8%A9-17135
