د. سعيد بن محمد السيابيب – احث وأكاديمي عماني
إن الدعوة التي وجهها اتحاد جمعيات المسرحيين البحرينيين للفرق بالمشاركة في مهرجان البحرين المسرحي الدورة الثانية، كانت قبل وقت من الأحداث التي حدثت في فلسطين وتحديدا حرب غزة التي تدور رحاها بظلم الظالمين وبسالة المقاومين، وإذ للثقافة والفنون من رسالة عليا فهي أن تناصر الحقيقة والحق والاستمرار في دعمهما بكل الوسائل المتاحة بما فيها الفنون، فكان لزاما أن يستمر إقامة المهرجان في موعده.
قيل: إن “كل مشروع ثقافي أو مهرجان يتوقف، أو في طريقه إلى التوقف، يعني أن نسمح للظلام بأن يحتل مساحة النور، يعني أن نسدل ستائر كثيفة سميكة على العيون والعقول، ويعني أن نحجب الرؤية، ونحبس الضوء”!
إن إقامة المهرجان في توقيته الذي تم التحضير له وكان مناسبة مهمة في مملكة البحرين التي شهدت بالإمكانيات الثقافية والفنية من الفنانين والمشاهدين بأن وحدتنا العربية والإسلامية خط أحمر، فقد توشح معظم الحضور بالكوفية الفلسطينية وكان اللون الأسود هو الغالب على الملابس وافتتح المهرجان بكلمة لرئيس مهرجان اتحاد جمعيات المسرحيين البحرينيين الفنان القدير عبدالله ملك الذي ترحم على الشهداء من أطفال ونساء وأهل فلسطين في الحرب الدائرة في غزة، وأن الألم التي يشاطره البحرين وأهله فردا فردا لهذا المصاب الجلل وأن المهرجان بموضوعاته وقضاياه هو مناشدة للإنسانية بأن تقف مع الخير والحق.
وقال: إن المسرح الذي نحياه هو تحدينا اليومي، وهويتنا الاستثنائية، وبإصرارنا على مجابهة أمواج تغييب المشهد الفني والثقافي من الحضور الفاعل والمؤثر في يوميات الإنسان البحريني.
وعرج على ذكر لمسات الوفاء للغائبين عن المشهد البحرين الذين كان لهم اسهامات كبيرة وذكر المكرمين الذين ما زالوا بعطائهم تستمر الأجيال ويقدم المسرح رسالته بالحرية والأمل ومواصلة توثيق ما يدور في العالم العربي والتطور الحضاري في مملكة البحرين.
أقيم هذا المهرجان برعايةٍ محلية من “هيئة البحرين للثقافة والآثار”، ودعم عربي من “الهيئة العربية للمسرح” فهذا الدعم والتعاون المثمر بين المؤسسات المحلية والعربية والتكاتف بالنهوض بالحركة الفنية والمسرحية في الدول العربية في صالح الانسان المبدع وللمتلقي الذي يبحث عما يمثله من قضايا وموضوعات.
إن الاستمرارية للنسخة الثانية من المهرجان إشارة مهمة لتطلعات أبناء البحرين ومساهمتهم في رفد الساحة الفنية بالجديد والمفيد من الكتابات المسرحية والعروض الفنية والأدوار التكريمية التي شهد هذا المهرجان هي لمسات وفاء مقدرة في هذه الدورة التي عنونة بدورة المرحوم الدكتور إبراهيم غلوم، الأستاذ والأكاديمي الذي بدأ دراساته منذ بدايات سبعينيات القرن العشرين ونشر العديد من الكتب في القصة القصيرة والمسرح والرواية والتراث والدراسات الثقافية والفكرية، ووضع لبنات كثيرة في مسيرة المسرح وأضاء شموع مهمة في مسيرة المسرح الخليجي والعربي فمن كتبه (المسرح والتغير الاجتماعي في الخليج العربي: دراسة في سوسيولوجيا التجربة المسرحية في الكويت والبحرين، وكتاب (ظواهر التجربة المسرحية في البحرين) و(مسرح إبراهيم العريض)، كما كان مؤسس المهرجان المسرحي الأول لدول الخليج ورئيس اللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية في دول مجلس التعاون.
وقد تم عرض فيلم تعريفي عن الدكتور إبراهيم غلوم، وجهوده الثقافية والفكرية والنقدية، بالإضافة لفلمٍ يستذكر جهود الفنان الراحل عبد الله وليد، وسعد الجزاف، ومنير سيف، جميعهم لهم اسهامات ومحطات عطاء، ويبقى الأثر.
وبعد تكريم الغائبين كان تكريم الحاضرين القائمين على المشهد البحريني من أصحاب العطاء الطويل، فقد عرضٌ فيلم عن المُكرمين في هذه الدورة، وهم: الفنان خليفة العريفي، نظير اشتغالاته الفنية والمسرحية والأدبية، والفنان عبد الله يوسف، الذي امتاز بمسيرةٍ فنية متعددة الاهتمامات والمواهب، بالإضافة للفنان عبد الله السعداوي، أحد المجددين في المسرح البحريني، والمنظر له في العديد من كتاباته ومقالاته ومحاضراته، فحضر من استطاع منهم الوقوف على خشبة المسرح للتكريم وغاب من بلغ من العمر عتيا!
أما العروض المسرحية ورسائلها في هذا المهرجان فقد كانت خمسة عروض مسرحية، حيثُ قدمت الفرق المسارح في المملكة عروضها، ابتداءً بعرض مسرحية(همس)، والتي يمكن تسميتها بصرخة فقد كان موضوعها نداء قام بكتابة منشورة المخرج المسرحي جمال صقر وحقق بدعوته إلى الإنسانية إلى الاتحاد والوقوف ضد الظلم فقد كان الديكور أكياس هي مواليد معلقة وأفكار تريد أن تخرج من بوتقتها لتنزل على الأرض وتطفئ اللهيب من الأسئلة حول ما جدوى كل هذا التكالب والانانية المفرطة فالممثلة هنا هي من تواجه هذا العدد من المقنعين وكأن الأرض التي خلقها الله لنا بجمالها وتنوعها تتسع لنا لجميعا ولكن المصالح والمتمصلحين من الفساد والافساد هم من يحاولون جرنا إلى الظلام بضحكاتهم الساخرة وعدم مبالاتهم بإنسانية الانسان وقيمه من عدل وخير وأمل.
وأكملت العروض المسرحية تقديمها فقد كان ثاني العروض المسرحية تقديم مسرحية (زائد عن الحاجة) لمسرح الصواري من إخراج إبراهيم خلفان وفيها أيضا ذات المدلولات الكبيرة لما يدور في محيطنا العربي من دمار وحروب وما يقع على نفسيتنا كمشاهدين من آثار هذا الاشتعال في الأحقاد والاختطاف وسرقة الحقوق فالديكور المسرحي باستخدام التقنية عبارة عن شاشة بها حائط مهدم من الوسط وكأنها عين كبيرة تعرض داخلها أثار القصف القوي للقنابل والطائرات والمباني المهدمة لتنتقل إلى المصانع التي تبث دخانها الكثيف للمباني الشاهقة التي تظهر بعلوها فوق الغيوم فجميعها رسائل قوية بملامح رمزية ما يدور في هذا العالم الذي تتوجس الزوجة والزوج الذين يتوسطهم سرير الطفل الذي يبحثون ما يسد رمقه من حليب فتدور الحوارات ما جدوى كل هذا الشر الذي يحيط بنا ونحن ما ذنبنا نولد في هذا الزمن القاهر والأزمات التي تدخلنا عنوة في هذا النفق المظلم الذي بوجوده تجتمع كل الشرور على البيئة والإنسان.
واصل مهرجان البحرين المسرحي تقديم عروضه وندواته الفكرية وكان الحاضر المهم هذا التكاتف والتعاون الذي قدمه الفنان البحريني والمتلقي الذي كانت تمتلئ بهم قاعة الفعاليات الثقافية ونجح في توصيل رسالته وتضامنه الكبير مع قضيتنا العربية الأولى فلسطين ولأهلنا في غزة بأننا نحن معكم متضامنون وسنظل أوفيا للحق والخير والسلام وننشده بكل الوسائل الفنية والمسرحية المتاحة.
