د. حمد بن محمد الغيلاني
تختلف معركة طوفان الأقصى عن كل المعارك السابقة التي خاضها العرب مع الكيان الصهيوني، وخاصة معارك أعوام 1948، و 1967، ليس من حيث الإمكانات البشرية والمادية وميزان القوى بين الطرفين، ولكن لما لها من تأثير معنوي على الشعوب العربية والإسلامية، وتغيير أهتماماتها وتوجهاتها، ورسم أولويات جديدة ومختلفة للأمة، وأهمها إعادة التفكير عمليا في تحرير فلسطين والأقصى، وخاصة جيل الشباب الذي استبدل تاريخه العظيم المشرق بقيادة خالد ابن الوليد وأبو عبيدة عامر أبن الجراح وقطز وصلاح الدين، برونالدو وميسي وامبابي ومحمد صلاح، وها هو اليوم يقرأ عن القسام وأحمد ياسين وعياش والضيف وأبو عبيدة، فقد أعادت هذه الحرب للأمة فكرها وتوجهاتها، إلى قضايها العادلة.
إن الامكانات المتواضعة للمجاهدين في غزة، استطاعت أن تحدث شرخا قويا وعميقا في آلة الحرب الصهيونية عالية التقدم المادي، كما أن مفاجأة الضربة الأولى، أفقدت الكيان الغاصب هيبته ومكانته للأبد، وأصبحت هزيمته النهائية حتمية وقريبة، ولو كان ذلك بأضعف الامكانات المادية المتوفرة، طالما كانت المعنويات عالية، والإرادة قوية، والإيمان بوعد الله متين.
والمسألة الهامة الأخرى هو الاندفاع الكبير لقوى الهمجية والحقد والدمار العالمي، الذي تقوده أمريكا، ومعها بريطانيا والمانيا وفرنسا وغيرهم، وموقفهم المشين، ودعمهم المطلق للصهاينة، بالمال والعتاد، من أول يوم بدأت فيه الحرب، ومواقفهم المنحازة والجائرة، مع العدوان السافر، وتمديره للمستشفيات والمساجد والكنائس والملاجئ، وهذا ليس بجديد فخلال السنوات العديدة الماضية، ساهمت هذه القوى الظالمة، في تدمير الصومال وافغانستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان ولبنان، وتاريخ جرائمهم طويل ومعروف لا يمكن حصره بزمان أو مكان، ولم يأت ذلك إلا بإرادة هذه الدول ودعمها المطلق للقوى المتطرفة والطائفية في هذه البلدان، وتمكينها من نشر القتل والدمار والفرقة بين المسلمين.
وفي المقابل فإن دور الحكومات العربية والإسلامية ومواقفها، كان أشد وقعاً على قلوب الفلسطينيين في غزة من وقع تآمر الغرب ومواقفه، فهي لم تستطع مجتمعه حتى من فتح المعابر وتقديم المساعات الإنسانية الأساسية، عوضاً عن دعمها بالسلاح والمال لإخوانها وأهلها في فلسطين وغزة، ولم يكن هذا التخاذل، وحتى أحيانا الخيانة والتآمر مقتصراً على الدول العربية والإسلامية وخاصة الكبيرة منها، بل أن الجماعات والأحزاب المتطرفة والطائفية، التي طالما رفعت شعارات الجهاد ضد العدو الصهيوني دوماً، لم تقدم في هذا المعركة الفاصلة من تاريخ الأمة سوى الشعارات الكاذبة والمسرحيات الهزلية المعروفة، التي تصب في صالح الكيان الغاصب، وتحقق مزيداً من التخاذل والخيانة، لأهل غزة وللقضية الفلسطينية، التي طالما رفعوا شعارات نصرتها، وهي منهم وهم منها براء.
معركة طوفان الأقصى، معركة فاصلة في تاريخ الأمة، ونتيجتها محسومة سلفاً لصالح الثلة القليلة المجاهدة والصامدة في غزة، وهي حية وخالدة مدى الدهر، غزة منتصرة وعزيزة وشامخة وخالدة إلى يوم القيامة، كما أن الخزي والعار، سيخلد كل من خذلها أو تآمر عليها، من أفراد أو شعوب أو أنظمة أو تنظيمات أو أحزاب، ولن يمحى عن هؤلاء جميعا خيانتهم وذلتهم وجبنهم، وسيكون لهم ذكر ومكانة خالدة في مزبلة التاريخ، ولن تمحوها شعاراتم الفارغة، وتنديداتهم المهينة، ومواقفهم المشينة، كما أن الدماء الزكية لأطفال وشيوخ ونساء غزة الزكية، وأرواح شهدائها الطاهرة، التي تراق وتتساقط أمام أعينهم في كل ساعة، ستطاردهم إلى يوم القيامة.
أكبر قضية تاجر فيها التجار من ساسة وحكام وتنظيمات وأحزاب عبر التاريخ الإنساني قاطبة، هي القضية الفلسطينية، ولأنها قضية عقيدة راسخة في وجدان الأمة العربية والإسلامية، والإيمان بها ونصرتها واجب أخلاقي وديني مقدس، فقد فضحت هذه القضية الكثير من منافقي الأمة وتجار الدين والقيم والمبادئ فيها، وأصبحوا حفاة عراة أمام أعيينا، ولم يتبقى سوى الثلة القليلة الباقية، الصابرة والصامدة في غزة، ترفع راية الحق وتدافع عن شرف الأمة وكرامتها، في زمن عز فيه الشرف والإخلاص والكرامة. ستتنتصر غزة حية أو شهيدة، وسيموت الجناء أحياء أو في قبورهم.
