د. سعيد محمد السيابي
من يتصور أن هناك عبثية فيما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي على أرض غزة فهو واهم، لأنه من الواضح أن هناك منهجية معدة إعداد شيطاني لتنفيذ سياسة تهجير عرقي، وإبادة جماعية دون أي رحمة أو امتثال لقانون دولي، ورغبة جامحة في قطع شرايين روح المقاومة التي تدافع عن أرضها وعرضها ووجودها.
ومن علامات الإفراط في هذه السياسة ما يقوم به الاحتلال منذ اليوم الأول للحرب على قطاع غزة من استهداف مباشر للحقيقة، من خلال قطع الكهرباء والاتصالات التي تزود مشاعل الحقيقة بما تحتاجه من طاقة ومن قتل مباشر لاثنين وعشرين صحفياً خلال أول عشرين يوما من الحرب، فمن الصحفيين الفلسطينيين الذين استشهدوا أثناء تأدية واجبهم في قطاع غزة المصور إبراهيم لافي من مؤسسة عين ميديا الإعلامية، والصحفية سلمى مخيمر، وهي صحفية مستقلة، قتلت في غارة جوية إسرائيلية مع طفلها الرضيع ووالدها ووالدتها وعددٍ من أفراد عائلتها، والصحفي محمد جرغون من وكالة سمارت ميديا، والصحفي محمد عماد من موقع الرسالة الإخباري، والصحفية سلام ميمة، والصحفي حسام مبارك المذيع في قناة الأقصى، والصحفي محمد علي من راديو الشباب، والصحفي عبد الهادي حبيب من تلفزيون الأونروا (وكالة تابعة للأمم المتحدة) التعليمي، والمخرج والمصور رشدي سرّاج من مؤسس شركة عين ميديا الإعلامية، والقائمة تطول بالأسماء الشريفة والأقلام الحرة.
لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بقتل الإعلاميين، فكان هناك نصيب من القتل المتعمد لعوائل وأسر وأقارب الإعلاميين لمحاولة تحطيم الروح المعنوية وإشغالهم عن تأدية واجبهم في نقل الحقيقة والمصداقية لهذه الحرب الهمجية، كما حدث مع عائلة المذيع وائل الدحدوح الذي يعمل بقناة الجزيرة القطرية، حين استهدفوا منزلا نزحوا إليه وسط قطاع غزة، مما أسفر عن استشهاد أفراد من أسرته بينهم زوجته وابنه وابنته، وعائلة الصحفي خالد الأشقر مما أدى إلى مقتل زوجته التي تحمل الجنسية الهولندية بينما كان زوجها يمارس عمله في تغطية الأحداث، واستشهاد أفراد من عائلة المصور الصحفي علي جاد الله في وسط مدينة غزة بغارات إسرائيلية أسفرت عن استشهاد اثنين من أشقائه وثلاثة من أقربائه، بالإضافة إلى عوائل صحفيين وإعلاميين مفقودين تحت الأنقاض وركام المباني المهدم على رأس السكان ولسان حالهم يقول: بأي ذنب قتلنا!
تتصاعد الجرائم ضد الإعلاميين في فلسطين عموما وقطاع غزة خصوصا بوجود الضوء الأخضر الذي منح للاحتلال الإسرائيلي من الدول الغربية التي قدمت مساندتها الصريحة والمباشرة والدعم المطلق للحرب الإسرائيلية على كل أرض فلسطين، من خلال إطلاق التصريحات النارية في كل الوسائل الإعلامية وترديد مصطلح الدفاع عن النفس لليهود، وأضافت عليها تعطيل كل الجهود الدولية لوقف العدوان في الأمم المتحدة والضغط على الشرعية الدولية لاتهام المقاومة بالإرهاب، المصطلح المُعلب والموجه علدلى المسلمين دون غيرهم، مما ساعد على استمرار الهجمات والاعتقالات والتهديدات، والرقابة على الإعلاميين في فلسطين بوجود هذا الدعم السياسي للاحتلال، بل تجاوزه إلى تبرير أعماله الإجرامية ضد الصحفيين الفلسطينيين وتبرير ذلك بوجودهم في المكان الخطأ وأن هناك ثمن من المدنيين في الحروب.
كما دافعت الدول الغربية عن جرائم دولة الاحتلال في المنظمات والمحافل الدولية بقوة وبسالة وشيطنة مؤسساتها الإعلامية لرواية الكثير من القصص الصحفية كقطع رؤوس الأطفال الإسرائيليين في بداية الحرب ونقل مشاهد الخوف والتمثيل بالظلم للاستمرار في عدم توقف إطلاق النار في قطاع غزة والسماح لجيش الاحتلال بقتل الحقيقة فما زال أمامه عمل يتعيَّن عليه القيام به كما يرددون، وهذا العمل الإجرامي لا يستثن بأي حال الإنسان الفلسطيني ولا الإعلامي الشريف فحتى لو كانوا هم وعوائلهم في بيوتهم مجرد مدنيين يقومون بعملهم في أوقات الأزمات والصراعات، والمواثيق الصحفية الدولية التي يتشدق بها الغرب تنادي بأن لا يجب أن تستهدفهم الأطراف المتحاربة، بل يجب على كافة الأطراف اتخاذ الخطوات والتدابير اللازمة لضمان سلامة الإعلاميين الناقلين للحقيقة والمدافعين عنها كما تقول منظمة لجنة حماية الصحفيين والمواثيق الدولية المتعارف عليها عالميا، لكن لا يطبق ذلك على فلسطين فهي استثناء في هذا العالم المريض بحب الصهاينة، هذا العالم الذي يرى أنه يستحق الحياة وغيره من البشر لا يستحقون الحياة والوجود والإنسانية.


