صالح البلوشي/ شؤون عمانية
جميعنا يعلم ما حدث في صباح السابع من أكتوبر 2023م، ذلك الحدث العالمي الذي فاجأ الجميع، الصديق قبل العدو، القريب قبل البعيد، والذي بلا شك لا يمكن قراءته منفصلا عن سلسلة الأحداث التي بدأت منذ اللحظة المشؤومة التي أعلن فيها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور في نوفمبر عام 1917 ، وعده المشؤوم الذي حمل اسمه، وبالتالي رُبط اسمه بعار أبدي لا ينمحي مهما تعاقبت الأزمنة والقرون، عار تسبب في مقتل عشرات الآلاف وعدم استقرار جزء مهم من العالم حتى اليوم.
ما حدث في السابع من أكتوبر لم تكن بدايته فعلا فلسطينيا ليكون له رد فعل من الجانب الصهيوني، ولذلك فإن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال ليست رد فعل، بل إن ما حدث في السابع من أكتوبر هو رد فعل فلسطيني على سلسلة طويلة من الاعتداءات “الإسرائيلية” المتكررة ضد الشعب الفلسطيني بالأراضي المحتلة، والتي بدأت منذ أن حطَت أقدام الصهاينة على أرض فلسطين، ولذلك لا يوجد أي مبرر للدول الكبرى والصغرى أن تعتبر ما يقوم به الاحتلال من جرائم هو بمثابة رد الفعل والدفاع المشروع عن النفس، لأنهم بذلك يعطون هذا الكيان الضوء الأخضر لإبادة مناطق بأكملها في قطاع غزة، ليسقط آلاف الشهداء معظمهم من الأطفال والنساء بشهادة منظمات دولية ومنها الأمم المتحدة نفسها.
وبما أن الكيان المحتل يعلم بأن دفاع القوى الكبرى والصغرى عنه لا يخدم رسالته للعالم العربي، لأن الجميع يعلم مواقف شعوب هذه الدول الرافضة لممارسات الكيان وجرائمه الوحشية، وأنه مهما قدم من تبريرات فإنها لا تصمد أمام ما رآه العالم من وحشية وفظاعة مثل جريمة قصف مستشفى المعمداني مؤخرا، وكذلك لا يمكن الاعتماد بشكل كبير على الحسابات الصهيونية التي ينشر فيها إعلاميون “إسرائيليون” باللغة العربية لانكشاف زيفها والمعلومات المضللة فيها، ولذلك لجأ إلى إعلاميين متصهينين من جنسيات عربية مختلفة ممن ينتشرون في بعض الفضائيات العربية ومنصة إكس واليوتيوب وغيرها، أولئك الذين يتقلبون في أوقات السلم والحرب حسب الأجندة الصهيونية المرسومة لهم، ففي أوقات السلم يكتبون بأن فلسطين ليست قضيتهم، وأنهم منشغلون بأشياء أهم من فلسطين وقضاياها، وهذا في حد ذاته شأن خاص بهم، فلم يطالبهم أحد بالدفاع عن القضية الفلسطينية أو حمل السلاح دفاعا عن فلسطين، ففلسطين لها رجالها الذين يدافعون عنها ويقدمون الشهيد تلو الشهيد في سبيل تحريرها، ومن الطبيعي أن قضايا الكرامة يدافع عنها أهل الكرامة، ومن لا كرامة له لا يفقه معارك الكرامة، فهل رأيتم شخصا يخوض البحار والمحيطات وهو لا يجيد السباحة؟
هؤلاء المتصهينون الذين كانوا يملؤون المنصات الرقمية والفضائيات ضجيجا بأن فلسطين ليست قضيتهم ولا تشغل حتى جزءا من اهتمامهم لأنهم منشغلون بأشياء أهم من هذه القضايا البسيطة -من وجهة نظرهم- وأن خلافهم مع “حماس” هو مجرد جزء من خلافهم مع الإسلام السياسي بشكل عام، باتوا اليوم بين ليلة وضحايا يزايدون في عنصريتهم وساديتهم حتى على أسيادهم الصهاينة أنفسهم، واتضح لمن يتابع تصريحات هؤلاء بأن خلافهم مع حماس ليس فكريا كما أوهموا الجميع بذلك وإنما خلافهم مع كل ما يمت إلى الإسلام والعروبة والكرامة بصلة.
وقد يقول البعض بأن هؤلاء مجرد ذباب إلكتروني موجه من دولة الاحتلال ولا فائدة من إعطائهم أكبر من حجمهم، ومن المؤسف أن هذا الكلام غير صحيح ومخالف للواقع؛ فالمتصهين لم يعد كالسابق يتخفى وراء معرف وهمي لبث سمومه للناس، بل صار بعد اتفاقيات التطبيع يظهر نفسه بشكل علني، ومن المؤسف أن منهم أدباء وروائيين وإعلاميين ورؤساء مراكز بحوث ودراسات ومشاهير تواصل اجتماعي ورجال دين وغيرهم ممن اتفقوا جميعا على أن فلسطين ليست قضيتهم وأنه يجب على “إسرائيل” أن تمحو غزة عن وجه الأرض.
