حمد بن مبارك الرشيدي
كان سليمان بن سالم الفلاحي الأخ الذي لم تلده أمي، وكان ممن محضته مودتي وأوليته ثقتي وأخلصت في حبه، حيث استحكمت العلاقة بيننا وتوطدت؛ عندما تقاسمنا السكن في معهد العلوم الشرعية، ومما زاد من حبي له؛ شغفه بالعلم وحرصه على اقتناء الكتب، وبرغم ضيق حاله ويتمه إلا أنه كان مثلي يفني أغلب راتبه الذي يتسلمه من المعهد في اقتناء الكتب مهما غلا ثمنها، مكبا على قراءتها ليله ونهاره، قليل الخروج للتنزه والتريض، حيث كان يرى التريض في دوحات الأدب والتنزه في رياض المعرفة أولى، ويحلو له إذا رآني كسولا عن طاعة أو مقصرا في حضور جماعة أن يردد:
إن النوم والكسل & أحلى مذاقا من العسل
إن لم تصدقني فسل& من كان قبلي في كسل
وكم زارني بالسويق مع بعد المسافة وزرته بإبراء ببلدته (بطين)، وذات يوم وأنا خارج من دوامي بالطائيين في إجازة نهاية الأسبوع مررت عليه وذهبنا أنا وإياه إلى جزيرة مصيرة الحالمة والمطلة على المحيط، وكان فرحا جذلان بصدور قرار تعيينه في وزارة الأوقاف ولم يبق إلا إنهاء إجراءات التعيين- وكان قد تأخر تعيينه عني- وكان حاملا أوراقه وشهادته معنا بالسيارة وعندما أنزلته بإبراء ووصلت السويق اكتشفت أنه نسي أوراقه بدرج سيارتي، واتفقنا على اللقاء في بدبد في مكان يسمى (المفرق) حيث يتفرق من الطريق القادم من مسقط طريقان أحدهما للداخلية والآخر للشرقية، ووقف سليمان في الجهة المقابلة من الشارع وعبر إلي وسلمته أوراقه متمنيا له التوفيق والسداد، وما إن وليت ظهري عنه حتى سمعت صوت ارتطام شديد جمد الدماء في عروقي، فإذا بي أرى سليمان ممددا بين الحديد وقد تطايرت ملابسه لشدة الحادث، ولم استطع الحراك من هول الصدمة، وقمت أصرخ في الناس (استروه ستركم الله) وحملنا سليمان إلى سيارة أصحابه، والقلب حيران والروح مرهقة وهذه هي اللحظات التي يقول عنها صاحب رواية البؤساء:
«ثمّة لحظات تكون فيها الروح جاثيةً على ركبتيها مهما كان وضع الجسد»، لقد جثت الروح بعدك يا سليمان على ركبتيها، ودخلت في محراب الحزن، وتركت شروخا في القلب لا تخاط وجروحا لا تندمل، أواه يا سليمان هل هذا آخر العهد بك؟ أواه يا سليمان هل سترحل وترحل معك أحلامنا التي رسمناها معا على رمال الصحراء؟.
ورجعت إلى زوجتي التي تركتها بالمطعم ملطخا بالدماء وحاولت أن أظهر التجلد، وأقلل من هول الصدمة؛ حتى لا تتشاءم من ذهابها للطائيين وكان ذلك أول أسبوع لها ترافقني فيه للمنزل الذي استأجرته ببلدة (شات) من أعمال الطائيين، ولكن أنى لي أن أستر وجع القلب وشحوب الوجه وتشتت الذهن وهي أشياء تفضح صاحبها وتعريه مهما حاول لبس ثياب التصبر والثبات.
أوصلت الأهل الطائيين ورجعت للمستشفى لأرى سليمان وبعد مدة من العلاج بلا فائدة، قررت محاولة نقله للخارج لعل الله يكتب له الشفاء، ولم يكن تعويض التأمين كافيا للسفر، فذهبت للدكتور صالح الصوافي لكون له معارف برجالات الدولة، راجيا منه التوسط لنقله خارج البلد، فأرشدني للذهاب إلى سماحة المفتي الخليلي، وفعلا ذهبت لسماحته وما قصر -جزاه الله خيرا- وقال لي: هل تريد أن أعطيك الرسالة لتوصلها للديوان أم نرسلها نحن؟
فقلت: بل أرسلوها تكرما.
وفعلا لم تمض إلا أيام ويأتيني اتصال من الديوان بأن الموافقة على نقل سليمان للعلاج مشروطة برسالة من المستشفى تفيد بأنه لا علاج لسليمان بالسلطنة، وقد رفض المستشفى إعطاءنا الرسالة وعرفت لاحقا أن هذا الطلب طريقة للرفض بأسلوب مهذب، ليمكث سليمان فترة بعد خروجه من المستشفى وهو لا يتكلم إلا أنهم يسمعونه يهذي أحيانا مرددا اسمي، ليغادر بعدها الحياة وتغادر معه لذاتها ونعيمها.
hamedmo7979@gmail.com
