خاص ـ شؤون عمانية
يعد الفن التشكيلي من الفنون التي يهتم بها الكثيرون، إذ يؤكد عدد من الفنانين أنه من الفنون التي تساهم في تحسين الانفعالات النفسية والبدنية للفنانين، وصولا إلى الصفاء الروحي والشعور بالرضا عن النفس.
ويقول الفنان التشكيلي عبدالكريم الميمني: “لا يعيش الفن التشكيلي في عالمنا باعتباره تجارب ناجحة للسلف في إظهار قدرتهم التركيبية للعمل الفني ومهارتهم على حل العلاقات التشكيلية فحسب، وإنما هو أكثر من ذلك، فهو مرجع دائم للقيم والحقائق والانفعالات القادمة من أعماق النفس التي يعكسها الفنانون في أعمالهم، ويحولونها إلى أشكال جميلة من الخيال، حيث تحمل لغة الشكل البصرية في طياتها معاني كثيرة تتعلق بالنفس الداخلية، وإذا نظرنا إلى الفن باعتباره مجال جيد للكشف عن النزعات الداخلية في النفس الإنسانية، سنجد بأن نقطة الاهتمام فيه تختلف بشكل كبير عن المضامين الخارجية، وسيكون التأكيد على التعبير وما يكشفه من نزعات داخلية ومدى قبول الذات لها هو مصدر الاهتمام الأكبر عندما نعبر عما في دواخل النفس من اختلاجات وتباينات بواسطة الفن التشكيلي”.
ويضيف: “يظهر دور الفن في قدرته على تحرير النفس الداخلية من العوائق وتحطيم الأقنعة وتجنب الدفاع الذاتي، ومن أهم خواصه تقليل التوترات، وإيجاد جو من الاسترخاء، وإكساب الفرد قوة تعويضية لإشباع الذات، وإكساب القدرة على الاتصال بالآخرين بنوع من الثبات، ويظهر حينئذ بوضوح لدى الأشخاص المتكيفين مع المحيط، ويمكن مقارنتهم بغيرهم من الذين يخافون المجتمع أو يلفظهم المجتمع وبغيرهم من الذين قد يجدون قوة ورغبة وسرورا في إنتاج أشياء جميلة من خلال الفن التي تعطي لهم المتعة في العمل، أما الأشخاص الذين يجدون أنفسهم غير متوافقين مع العالم، قد يرون في طيات الرسم فرصاً تمكنهم من التفوق على هذه العلاقة السلبية، كما أن الأشخاص الذين يعانون من عجز جسمي، يجدون في التعبير الفني الابتكاري فرصة ليتقبلوا أنفسهم، ويتفهموا أجسامهم ويزيلوا من خلال هذا التعبير شيئا كبيرا من التوتر ويكتسبوا راحة نفسية تزيح عن كاهلهم الحواجز والعقبات الداخلية التي تحد من النمو والتطور والارتقاء لبدنهم ودواخلهم النفسية”.
ويوضح: “أعتقد أنه ليس هناك أسلوب أو اتجاه فني محدد يمكن أن يكون هو المفجر لتلك الانفعالات وإنما يعتمد ذلك في المقام الأول على ما ينتجه الفنان بالأسلوب والخامة التي يميل إليها وتحقق له المتعة والراحة الفكرية والنفسية في آن معا”.

أما الفنانة صفاء الفهدية فتشير إلى أنه فيما يتعلق باحتواء الانفعالات النفسية للفنان، فالفنون هو المعاصرة أو التي يطلق عليها فنون التجهيز في الفراغ من بين الأعمال الفنية التي هي كفيلة بإيصال هذا المفهوم من خلال ممارسة هذا الفن وإسقاطه في عمل فني.
وتضيف: “وبدوره هذا العمل الفني سيكون وسيطًا بين الفنان والمتلقين لفنه وإيصال صوته الداخلي ورسالة انفعالاته، هذه العملية كلها تعطي الفنان نوعا من السلام الداخلي وتحتويه نفسيا وجسديا، كما أن تفاعل الجمهور مع الفن هو بحد ذاته دعما للفنان، والمجالات المعاصرة التي تدعم الفنان في إبراز فكرته من خلال الفن، هي مجالات الفن المفاهيمي، فهي تبرز فكرة الفنان بشكل أكثر قربا واتقانا، فهذا الفن هدف الرئيس هو إيصال الرسالة الفنية بأساليب مختلفة بما فيها التكنولوجيا وفن التجهيز في الفراغ”.

ويذكر الفنان التشكيلي علي الجهوري حول احتواء الفن التشكيلي للفنان، أنه لعل الحديث عن الفن التشكيلي بمفهومه هو التعبير عن الأفكار والمشاعر والانفعالات وما يختلج في ذات الفنان من تأملات يمتزج فيها الواقع مع الخيال، حيث يقوم الفنان بصياغتها بأسلوبه الخاص موظفا أحد مجالات الفنون كالرسم والتصوير والنحت والخزف وغيرها.
ويبين: “يعتبر الفن من اهم الأساليب والسبل في التعبير عن القضايا والأحداث والأزمات التي يمر بها الفنان سواء على المستوى الذاتي أو محيطه الخارجي، فيتأثر بها ويعبر عنها ويتفاعل معها وفقا لما يختلج في نفسه من تفاعلات ومشاعر، ويقوم بصياغتها وفقا لخبراته وأسلوبه الفني، والحديث عن الفن ومدارسه الحديثة لهي من الأمثلة عن تلك الاتجاهات الفنية التي عبر عنها الفنان بأساليب فنية تنوعت بين الرومانسية والتعبيرية والانطباعية والتكعيبية”.
ويتابع: “كانت المدارس والاتجاهات الفنية هي نتاج ومتنفس للفنان للتعبير عن ما يدور في نفسه من مشاعر وأحداث وتفاعلات، وقد اعتبر الفن هو أحد أهم الطرق لدراسة النفس الإنسانية والسلوك البشري والذي من خلاله يستطيع المتخصص قراءة الحالة النفسية والسلوكية للإنسان من خلال تعبيراته الفنية، وما تختزنه تلك التعبيرات من مشاعر وانفعالات ظهرت على هيئة أعمال فنية”.
ويؤكد بقوله: “الفن يعتبر متنفسا للفنان فيجد الفنان ذاته من خلال الفن، فالفن سكن للنفس والمشاعر ومتنفسا للتعبير عن الانفعالات، وتفريغا للطاقة، فالمصور والرسام يعبر عن مشاعره في لوحاته الفنية، فتلك اللوحة سكنا لنفسه ووصفا لأفكاره ومنطلقا للتعبير عن مشاعره، وتختلف تلك التعبيرات باختلاف أسلوب الفنان واتجاهه الفني فهناك من يوظف الأسلوب الواقعي بكل أحداثه وتفاصيله وآخر يتخذ من لأسلوب الرومنسي المتنوع بانفعالاته وأفكاره، وهناك الانطباعي التأثيري والمعتمد على التأثيرات اللونية البصرية والملمسية وهناك التعبيري الذي يترجم المشاعر أو العواطف والحالات الذهنية التي تثيرها الأشياء أو الأحداث في نفس الفنان، ويرفض مبدأ المحاكاة والتقليد فيحذف صور العالم الحقيقي بحيث تتلاءم مع هذه المشاعر والعواطف والحالات، وذلك من طريق تكثيف الألوان، والأشكال، واصطناع الخطوط القوية”.
ويؤكد الجهوري أن الفن يتجلى للفنان ليكون متنفسا للروح والعقل والذات وصولا إلى حالة من الصفاء الذهني بعيدا عن كل المشتتات الخارجية والنفسية، ومن خلال تجربتي الشخصية والذاتية في الفن والنحت بشكل خاص أجد فيه ذاتي وشخصيتي ودائما ما يكون حواري مع عملي الفني في مراحل إنتاجه تفريغا لتلك المشاعر والانفعالات، فالممارسة الفنية بمثابة علاج طبيعي للعقل وصفاء للذهن والفكر تتجلى فيها مشاعر الرضى والسعادة. يحلق الفنان بخياله ومشاعرة في لحظة من الصفاء الذهني يترجمها في عمله الفني”.
ويرى الجهوري أن الاتجاهات الفنية الحديثة والمدارس الفنية بشكل خاص تتنوع في أساليبها الفنية، ولعل انتماءات الفنان وقربه من تلك الأساليب قد تكون ملجأ لاحتواء تلك المشاعر والانفعالات، فتختلف من فنان الى آخر وفقا لتوجهه الفني، فمنهم من يتخذ الجانب الرومانسي والعاطفي ليصل بنفسه إلى صفاء النفس ونقائها معبرا عن مشاعره وانفعالاته، وآخر يرى في الجانب التجريدي جانبا مهما ليترجم أفكاره وانفعالاته.
ويوضح: “نجد فنانا آخر يرى في المدرسة التعبيرية هي المقصد للتعبير عن أفكاره ولينتقل من طابع التقليد والمحاكاة الى التعبير طريق الألوان، الأشكال، الخطوط القوية. ومنها نصل إلى نقطة مهمة وهي لا يمكن أن نخصص مدرسة فنية بذاتها دون أخرى أو اتجاه فني معاصر بحد ذاته ليكون فجميع المدارس الفنية والاتجاهات الفنية المعاصرة هي منصة مهمة من منصات التعبير عن المشاعر والانفعالات والأحداث والقضايا يوظفها الفنان وفقا لتوجهاته الفنية ومجاله الفني”.

ولا تبتعد الفنانة التشكيلية حفصة التميمية عما ورد في هذا السياق فتعلق: “الفن التشكيلي بالنسبة للفنان هو المتنفس الذاتي له، فهو سبيل لإبراز كل ما بداخله من مشاعر ورؤية وقضايا يؤمن بها ويعبر عنها عن طريق اللون والفكرة في مساحة فارغة إلى مساحة مليئة بشعور الفنان، مع العمل على إظهار التكوينات والرموز ذات دلالات عميقة وواعية، تأتي متراكمة بفضل التجربة الفنية على مر الزمان”.
وتشير التميمية: “بالنسبة للمدارس التي قد تحتوي تلك الانفعالات هي المدرسة التعبيرية والتجريدية والرمزية أو السريالية، فهذه المدارس تعطي الحرية للفنان بالتعبير والرسم بدون قيود لأجل الوصول إلي الصفاء الروحي”.

ويبيّن الفنان التشكيلي سيف العامري في هذا السياق: “بالنسبة لي كفنان تشكيلي، أجد بأن الفن هو رسالة إنسانية في المقام الأول، فأنا أجد الملاذ والمتنفس في دخولي إلى محترف الجرافيك الخاص بي في منزلي، والفن إجمالًا عبارة عن أحاسيس ومشاعر من خلالها يمكن للفنان التشكيلي احتواء انفعالاته النفسية والبدنية في الشروع إلى عمل فني جديد يعبر بما ألم به من تلك الانفعالات النفسية”.
ويضيف: قد يندرج هذا العمل الفني إلى المدرسة السريالية وأقرب ما تكون المدرسة التجريدية، ودليل على ذلك ما تركه الفنانين التشكيلين الأسبان سلفادور دالي وبابلو بيكاسو في أعمالهم وإبداعاتهم الفنية العالمية من صراع الحياة ومعاناتها وخلفته ويلات الحروب والتي يدفع ثمنها الأبرياء من البشرية، فتلك الانفعالات النفسية والبدنية بكل تأكيد لها الأثر الأكبر في العمل الفني المنجز”.

