د. حمد بن مبارك الرشيدي
hamedmo7979@gmail.com
لم يدر بخلدي يوما أنني سأخرج من هذه الوظيفة قبل سن الستين، ولكن سبحان من لا تبدو له البدوات .. وقد تخرج الحاجات يا أم مـالك كرائم من رب بهنّ ظنيــــنِ؛ ذلك أن هذه الوظيفة وظيفة إنسانية واجتماعية بالمقام الأول قبل أن تكون (أكل عيش)، وهي بوابة لعمل الخير وتذليل الصعاب وحفظ الحقوق ودرء المفاسد وهي صمام أمان للمجتمعات لما لها من دور في تقليل النزاعات، سواء تلك التي تنتج عن عمد وقصد لخبث نفوس أصحابها أو لنسيان يطرأ على البشر فيتوهمون أن لهم حقا لم يأخذوه، أو اتفاقا لم يبرموه أو غير ذلك مما يدخل في إطار ما للإنسان وما عليه.
ولذلك قال سبحانه مشيرا لأهمية التوثيق بشتى أنواعه والذي هو مدار عمل الكاتب بالعدل ( وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا) أي : “هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا هو (أقسط عند الله) أي: أعدل (وأقوم للشهادة) أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبا ( دوأدنى ألا ترتابوا) وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة
وقد كنت إبان تخرجي من معهد العلوم الشرعية أمني النفس بهذه الوظيفة كونها وظيفة شريفة ذات منزلة رفيعة، و بها نوع من الاستقلالية والقدرة على رفض العقود التي تخالف الشرع والقانون، وهي وظيفة قليلة الخوض في مشتبه المسائل التي تختلف فيها الآراء حول حرمة التوثيق فيها من عدمها بخلاف وظيفة أمين السر -التي كانت معروضة حينها مع وظيفة الكاتب بالعدل- حيث إن أمين السر يكتب ما يمليه عليه القاضي وقد يكتب الحق والباطل والناظم يقول:
لا تعاون ظالما فيما ظلم
بمدة الدواة أو بري القلم
إذ يحشر الظالم والمعين
معا عذابهم بها مهين
وأنا أتكلم هنا عن تصوري للأمور إبان تخرجي من معهد العلوم الشرعية قبل أكثر من عشرين سنة، يوم كانت العاطفة مقدمة على العقل والانقياد للآراء دون تحليل منهجا سائدا.
ومختصر القول أن ما كنت أحذر منه وقع فقد صدر التعيين بوظيفة أمين سر بولاية صحم، فانقلبت الدنيا في عيني سوادا وأصابني الأرق وتخيلت نفسي أقاد يوم القيامة محملا بمظالم العباد التي سطرتها بإملاء القاضي، ناهيكم عن أنني مذ نشأت لا أحب أن أكون مأمورا ولا أحب أن يتسلط علي أحد كما قال الأول (لنا الصدر دون العالمين أو القبر).
وبرغم أنني كنت من الأوائل على دفعتي وبرغم أن مقابلة التوظيف كانت على أتم ما يرام وقد سألوني أي وظيفة تختار فأجبتهم أنني أريد أن أكون كاتبا بالعدل، إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، وقد أدركت لاحقا سبب ذلك حيث لم يكن السبب بالحسبان والله المستعان.
