د. محمد الزكري القضاعي
إذا كان القلق الإنساني في قدرة المعرفة على تحسين الوضع الحقوقي قد انتشر على نطاق واسع، فإن الأكثر إرباكا في العلاقة بين حالة الإنسان والتقدم المعرفي هو الذي حصل على مستوى عقر دار القضية أي في بيت الدراسات الحقوقية، كما تؤكد ذلك, Marie-Claire Foblets .
ففي رأيها أنّ أزمة فكرة التقدم المعرفي هي أزمة دراسات الحقوق قبل كل شيء، بمعنى أزمة المشروع الحقوقي بصِيَغِه المختلفة، فقد أدى انهيار المدرسة الحداثية في الثمانينات وزوال سراب “الحقوق في أطر اليقينيات الصلبة”، إلى تأزمات مازالت المدارس الحقوقية تعاني منها.
وإبان حقبة الثمانينات (وهي حقبة اشتدّ فيها أوج نهضة مدرسة الحداثة ذات الرؤية الصلبة) فهم كل من تشكل وعيه بالمدرسة الحداثية (ومنها المدرسة الحقوقية) أن من واجبهم تخفيض التباينات البشرية بعد انهيار الإستعماريات الكولونية، فكان السؤال هو كيف أدت كتابات المدرسة الحقوقية إلى تحرر المُسْتَعْمَر من المُسْتَعْمِر عندما كان تعريفها للحقوق والحريات محاط بفهم صلب شمولي منغلق على ذاته؟ كان التحرر يفهم على أنه خروج آخر جندي أجنبي، وأثبتت دراسات ما بعد الكوليونالية خطأه.
وعليه يمكننا القول أن الدراسات الحقوقية فهمت علاقات التحرر والعلاقات الدولية بطرق سببت أخطاء فادحة. فهناك إستعمار إحتكار التقنية، واحتكار سن قوانين البحار والتجارة العالمية، وسن سقف أسعار المواد الخام، ومن يمكن أن تبيع عليه، وممن يسمح لك أن تشتري منه، ومن هو وكيلك، ومن هي الشركة التي ستنقب النفط لك، ومن هي الشركة التي ستسوق لك وغير ذلك.
لفهم علاقة الدراسات الحقوقية بالتقدم البشري ينبغي العودة إلى الإرهاصات الأولى لهذا المفهوم في عصر الأنوار، حيث أثبت المؤرخون أن تصور الحقوقيون نبع من انبثاق الكتب السماوية ومن ثم قز قفزة هائلة أبان تبلور الفلسفة الأوروبية في القرن الثامن عشر. علما أن التحرير العلمي لمفهوم الحقوق وقتها كان متعدد الأوجه.
ولكن نتيجة ما يعرف بأحادي التخصص جعل أتباع التخصص القانوني غير ذي إلمام بما يتطور في تخصصات أخرى. كذلك من هو أنثربولوجي لا يعلم بالاطروحات في تخصصات أخرى، وهلما جرى.
ونتيجة عقل أحادية التخصص (والذي هو سمة الزمن الحداثي) شاهدنا انغلاق المدرسة الحقوقية على ذاتها ،ولم تعد تتواصل مع مدارس أخرى من أجل اكتساب معاني حقوقية من مدارس غير حقوقية. وساهم هذا في تكريس أزمة انقطاعات معرفية في الثمانينيات، وفي هذه الأثناء تبلورت معاني إجرائية لمعنى “الحقوق” في أروقة الدراسات الأنثروبولوجية والآداب العامة والعلوم والفنون وشتى المجالات التي حصلت فيها تطورات دون أن يرتبط بعضها ببعض بالضرورة.
فالمفكر الفرنسي فولتير أسس أطروحته خارج المدرسة القانونية مفادها أن التطور التجاري وقوانينه وأعرافه قادر على تقريب الشعوب بعضها من بعض ووقايتها من النزاعات، في حين أن روسو شاهد وجود علاقة بين تطور العلوم والفنون بتدهور الأخلاق العامة ومن ثم على الوعي القانوني.
بعد ذلك التاريخ المتأزم، تاقت الدراسات الحقوقية إلى مستقبل تحرري، مستقبل يفتح أفق يسمح للدراسات الحقوقية من التقاطع المصقول مع مدارس متاخمة حول مقصدها الحقوقية.
تطور اتسم بخروج جماعي للمدارس والتخصصات من قوالب الفكر الحداثي إلى أطروحات ما بعد حداثية، ففي ظل العولمة وتقدم التكنولوجيا ازدادت التحديات أمام الدراسات الحقوقية ووجب عليها اكتشاف روابط أساسية تربطها بعلوم متعددة، وهنا انبثق نهج تعدد المناهج تعدد التخصصات، فإذا بنا نجد القانوني يتخرج وهو ملم بتخصصات غير قانونية أهمها الأنثروبولوجي.
ويُعَرَّف القانون على أنه مجموعة من القواعد القانونية التي تُقَرِّر تنظيم تصرفات الأفراد في المجتمع، وتحمي حقوقهم الفردية بما يتماشى مع مصلحة الجماعة، ويعني ذلك اعتراف بوجود علاقة بين القانون والتاريخ، حيث يوجد جسر يربط بين الماضي والحاضر، حيث تساعد الدراسة التاريخية على فهم تطور الأنظمة القانونية على مر العصور. يُستفاد من الخبرات السابقة لضبط النظام القانوني الحالي.
أما علاقة القانون بالفلسفة، فتعكس أبعادها العميقة التي تناقش أسس الوجود والأهداف البشرية، ويندرج القانون أيضًا ضمن هذا الإطار، حيث يتناول قضايا الأسس والأهداف والقيم، ويلعب دورًا في توجيه القانون نحو تحقيق أقصى فائدة.
من جهة أخرى، يتلاقى القانون مع السياسة عند تنظيم السلطات العامة في الدولة وتحديد حقوق وواجبات الأفراد. تتأثر التوجهات السياسية بتطبيق القوانين ووضعها.
علاقة القانون بعلم الاجتماع تكمن في تحليله للظواهر الاجتماعية واقتراح الحلول للتحديات. يمكن استغلال مبادئ علم الاجتماع في صياغة السياسات التشريعية وإطار القوانين.
أما علاقة القانون بالاقتصاد، فتظهر عند تحديد القواعد التي تنظم النشاط الاقتصادي. يُنظِّم القانون العقود وحقوق الملكية والجوانب التجارية. يتأثر القانون بالتوجهات الاقتصادية في المجتمع.
أخيرًا، يتطور القانون بمرور الزمن مع التقدم العلمي والتكنولوجي. يتمثل ذلك في تشريعات تنظم التطورات في مجالات مثل التكنولوجيا والإلكترونيات.
باختصار، نشاهد أن مدرسة ما بعد الحداثية تفهم القانون على أنه مجالًا يمتد إلى ميادين متعددة، مثل الأنثروبولوجي والتاريخ والفلسفة والسياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد والتقدم العلمي، وذلك لتحقيق تنظيم مثلى لسلوك الأفراد في المجتمع وضمان حقوقهم ومصالحهم.
من بين هذه المجلات التي تتمثل منعطف مابعد حداثي تبرز “مجلة الحقوقية البحرينية” كواحدة من الوجهات الرائدة للتفاعل مع قضايا القانون والحقوق في عالم بلا حدود. تتميز هذه المجلة، التي يرأس تحريرها د. علي الصديقي، (ويعضده فريق تحريري واستشاري نشط جدا )، بروحها المبتكرة والجريئة التي تعبر عن رؤيتها بأن القانون ليس مقتصرًا على القاعات القضائية، بل يتعدى ذلك ليؤثر في كل جوانب حياتنا وعلاقاتنا.
من الملفت للانتباه في “مجلة الحقوقية” هو تخصيصها لمساحة للكتابات والمقالات التي تتناول موضوعات حقوقية متنوعة ومتعددة الأبعاد. إذا كانت مجلات القانون التقليدية تتركز على النصوص القانونية والقرارات القضائية، فإن “الحقوقية” تقدم منصة لمناقشة المفاهيم والقضايا الحقوقية من زوايا مختلفة وتنظر إلى تأثيراتها على المجتمعات والأفراد.
يجدر بالذكر أن “مجلة الحقوقية البحرينية” توجه اهتمامها لجمهور متنوع يشمل المثقفين العرب والمحامين والقانونيين. تسعى المجلة إلى توجيه رسالتها ومحتواها لتلبية احتياجات هذه الجماهير المتنوعة، مما يجعلها وسيلة تواصل بين مختلف الفئات العاملة في مجال القانون والحقوق.
في مملكة البحرين، تنشط “مجلة الحقوقية البحرينية” كشريك حيوي للمؤسسات العدالية، وتلعب دورًا أساسيًا في تشكيل النقاشات حول فلسفة القانون.
فمجلة الحقوقية البحرينية صوت فعّال لتعزيز القانون وحقوق الإنسان بكونها منصة متعددة الجوانب تسعى إلى تحفيز تحسين أنظمة القانون وتطويرها من خلال إطلاق نقاشات بناءة وتقديم أفكار مبتكرة.
تتمثل هوية المجلة في تجاوزها للحدود التقليدية للكتابات القانونية، حيث تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل نقاشات حول مفاهيم القانون ونظرية حقوق الإنسان وتأثيرها في المجتمع. كما توفر المجلة بيئة مفتوحة للتفاعل والتواصل بين المثقفين، والمحامين، والقانونيين، والمؤسسات العدالية، بهدف تعزيز فهمنا للقانون ودوره الحيوي في عالم متغير بلا حدود.
ختاما يجدر بنا الإقرار بأن مملكة البحرين، وهي البلد الحاضن لمجلة الحقوقية، هي مملكة تظهر دعمًا متفانيا وعاليًا للمثقفين الذين يسعون للتعبير عن آرائهم والترويج للكتابات ذات السمة الحقوقية المتطورة. هذا النهج العدالي يجعل مملكة البحرين جزءًا من جهود عالمية لتعزيز حقوق الإنسان والقانون في عصر ما بعد حداثي.
