الحبيب سالم المشهور
عدت قبل أيام من أندونيسيا بعد المشاركة في مؤتمر دولي عن التصوف في مدينة بكالونجان افتتحه الرئيس الأندونيسي وحمل عنوان: “العمل الصوفي المعاصر في عالم متعدد”، وقُدمت في المؤتمر أبحاث رصينة لمجموعة من الباحثين من مختلف أنحاء العالم، وقد حاول المؤتمر أن يُواكب التحديات المعاصرة من خلال تفعيل دور التصوف في تعزيز السلم الاجتماعي، ومكافحة التطرف والإرهاب، والتنمية الاقتصادية والنهوض بالإنسان.
وقد حظي المؤتمر بمباركة الحبيب لطفي بن يحيى كبير علماء أندونيسيا الذي استضاف العلماء في بيته على العشاء في الليلة الأولى، وتابع الإشراف على حلقات البحوث، وحضر مجموعة منها، وقدّم نظرات عميقة في ختام الندوة، تتعلق بضرورة تفعيل الجانب الروحي بعيدا عن الاكتفاء بالطقوس أو صور العبادات.
أندونيسيا بلدٌ إسلامي كبير، ولعله أكبر بلد إسلامي من حيث السكان، والشعب هناك في غاية اللطافة والذوق والأخلاق، وهم بحق صورة رائعة عن الإسلام، ولعلّ من رُزق العمرة والحج منا، لمح أخلاق هذا الشعب المُنظم المُنضبط الذي يمشي على الأرض هونا، ولا يُحدث ضجيجا أو ينتهك الفضاء العام، فهو يمارس عباداته بدرجة عالية من الروحانية من غير أي شكل من أشكال المضايقة لغيره، فهم في طوافهم حول البيت العتيق أشبه بالملائكة الروحانيين، وقصة دخول هذا الشعب للإسلام تعود إلى التجار العرب الذين خرجوا إلى هناك يحملون معهم أعظم بضاعة، أعني الإسلام، حيث استطاع هؤلاء التجار بأخلاقهم العالية أن يؤثروا في نفوس الناس هناك، وكانوا سببا في إسلام أهل أندونيسيا وماليزيا وغيرهم، ويحتفظ الموروث الأندونيسي بأخبار تسعة من هؤلاء التجار، يُسمونهم (الأولياء التسعة) وإليهم يعود فضل انتشار الإسلام في البدايات، وهؤلاء الدعاة بحسب الرواية الأندونيسية هم من ذرية رجل عماني مهاجر من حضرموت وهو الإمام محمد بن علي صاحب مرباط، الذي يقع ضريحه في ظفار في جنوب عُمان.
والشعب الأندونيسي صوفيٌ بالفطرة، يفهم الإسلام بعيدا عن التشدد والتعصب، ولديه عشق عميق للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولسلف الأمة الصالح من الصحابة والتابعين وأهل البيت، وتنتشر في ربوع أندونيسيا المدارس الإسلامية والعربية، التي تُعلّم الإسلام الأصيل القائم على الحب والوسطية والاعتدال، وتهتم الحكومة كذلك بدعم هذا الاتجاه في فهم الدين، حيث أن أندونيسيا بلد يعيش فيه بالإضافة إلى المسلمين مجموعة من الديانات الأخرى كالبوذية والمسيحية والهندوسية.
وقصة بقاء الشعب الأندونيسي على الإسلام تستحق التأمل، أندونيسيا تعرضت لاستعمار طويل امتد لقرون، وتعرضت كذلك لحملات كثيرة من التنصير والتغريب، ولكن هذه الحملات كلها باءت بالفشل؛ لأن هذا الشعب عرف الإسلام على حقيقته وأسلم على يد دعاة الحب والسلام، وفي هذا أبلغ ردٍّ على بعض المستشرقين وأذنابهم الذين يُرددون في كل محفل أن الإسلام انتشر بالسيف! وكيف يصح هذا وشرق آسيا كله أسلم من خلال التجار ودعاة التصوف، لم تطأ هذه البلاد حملات عسكرية، ولم تُرق قطرة دم في سبيل هذه الغاية، أعني نشر الدين الحنيف، وليس فقط شرق آسيا هكذا، فوسط أفريقيا وكثير من الجهات البعيدة لم تعرف أصلا امتداد حكم إسلامي فضلا عن وجود فتح عسكري!
وعلى هامش حضوري للمؤتمر تلقيت دعوة من جامعة جاكرتا الحكومية لإعطاء محاضرة لقسم اللغة العربية، كانت بعنوان “القضايا البيئية في تعليم اللغة العربية”، وفرحتُ كثيرا بالإقبال الشديد على تعلم اللغة العربية وحبهم الشديد للعرب، وهم بأمس الحاجة إلى الدعم، وهناك رسالة حملوني إياها إلى مؤسساتنا الجامعية، هم بحاجة إلى شكل من أشكال التعاون، بحيث يبتعثون مجموعة من طلابهم إلينا لتعلم اللغة وعيشها، عسى أن يتم هذا التعاون، فالشعب الأندونيسي شعبٌ رائع ويستحق، وعُمان التي أنجبت الخليل بن أحمد هي أولى الدول بأن تتحول إلى مركز كبير لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وتوفير الدورات التدريبية للمتعلمين، فعسى أن ينشط دورنا في هذا المجال، فهو يفتح بابا كبيرا لتعزيز دور عُمان الحضاري وكذلك يفتح بابا كبيرا للاستثمار في تعليم اللغة العربية واجتذاب الطلبة الدوليين وهذا يُنعش الاقتصاد ويُعطي بلادنا قوة معنوية ومادية.

الحبيب سالم المشهور – كاتب عماني مهتم بالتصوف
