د. ناصر بن محمد بن حمد العوفي
دار هذا السؤال في خُلد أحمد، وهو ينظر إلى تلك اللوحة الموجودة في الممر.
نعم في حالة عدم وجود أخصائي اجتماعي.. هل سأقف هنا؟ هل ستكون شخصيتي هكذا؟ هل سأكون متفوقًا دراسيًا ومتزنًا اجتماعيًا ونفسيًا؟ هل سأتقبل المجتمع؟ قبل أن أجيب عن كل هذه الأسئلة الحائرة في فكري وخلدي، سأرجع إلى الماضي كثيرًا؛ وبالأخص إلى الصف الثاني الأساسي هذه السنة التي كانت مفترقًا كبيرًا في حياتي؛ حيث طلَّق أبي أمي بعد سنوات من الشجار والخصام والعنف الأسري الواصل حتى لي، ورغم تدخل المصلحين من الطرفين لكن تكرار الحوادث دفع بأمي لطلب الطلاق. في هذه السنة حدثت تغيُّرات لشخصيتي، وأصبحت مُتنمرًا على نفسي وزملائي والمدرسة والمجتمع، كان الإهمال يلبسني وعدم المبالاة أصبح سلوكًا أحببته؛ فلا أهتم بنصيحة مُعلمة أو مديرة، كنتُ أحقد على كل طفل يتحدث عن أبيه، كنتُ أخاف أن يسألني أي شخص عن أبي أو بيتنا.
كانت حياتي كلها تشتتًا دراسيًا ونفسيًا وذهنيًا وأسريًا، ولكن في يوم أعتبره أهم من يوم ميلادي يوم أن أخذتني المديرة إلى الأخصائية الاجتماعية، كنت في البداية خائفًا.. أفكر من هذه الشخصية؟ هل شخصيتها أقوى من المديرة؟ وما نوع العقاب الذي سوف أحصل عليه؟ وما هي دقائق إلا وأنا أمام باب الأخصائية الاجتماعية، تم الاستئذان فدخلت بصُحبة المديرة، وما إن دخلت مكتبها الذي أبهرني في تنسيقه وجماله؛ حيث الصور الموجودة في جنباته وعلبة الشوكولاتة الموجودة على الطاولة وبجانبها توجد باقة من الزهور والبطاقات الملونة، وتلك الكراسي الجميلة الموزعة في جنبات مكتبها. كان المكتب يبعث على الراحة، وبدأت فكرة العقاب بعيدة عن نفسي، رغم التردد الموجود بداخلي، استقبلتني بابتسامة أرسلت السكينة والطمأنينة إلى نفسي، طلبت مني الجلوس على الكرسي. استأذنت المديرة بعد أن أخبرتها أن هذا الطالب الذي حدثتها عنه.
بعد أن غادرت المديرة، ابتسمت لي ، وسألتني بصوت هادئ ما اسمك؟ وبعد أن جاوبتها عرفتني بنفسها وبمهام عملها، وأنها في المدرسة لتقديم العون والدعم لا العقاب، ارتحت لكلامها، وبعدها دار حديث طويل بيني وبينها، أوجد في نفسي الراحة والتفكير بشخصية ثانية، علمتني عن العلاقة المهنية التي تتسم بالسرية، وكذلك مدى تقبلها لي رغم المشكلات التي أقوم بها في المدرسة ووضعي الاجتماعي. تعاهدنا أنا وهي على أن نمضي نحو الأحسن في التغيير وجلسة بعد جلسة أجد التغيير يتسرب في داخل شخصيتي من إعادة الثقة والتفوق الدراسي، والمشاركة في الأنشطة الرياضية والمدرسية المختلفة، والالتزام بالقوانين المدرسية وعدم الغياب.. لقد وجدت مع تلك الأخصائية الاجتماعية علاقة مهنية جميلة. كانت كل جلساتي معها بنوع من السرية. كنت أبوح لها بكل ما في داخلي، تأخذني تُعززني وتضع الثقة في نفسي، تجعلني تارة أشارك في الإذاعة المدرسية. نعم استرجعت ثقتي، وبدأت أتخلص من ذلك التنمر مع الذات ومع الآخرين. أصبحت هكذا الآن طالبًا متفوقًا دراسيًا ومتمرسًا. في حل الواجبات واجتماعيًا مع زملائي. أصبحت لا أنقاد إلى مكتب مديرة المدرسة. بل أصبحت أنا قائدًا، وأقوم بضبط الآخرين. وهذا كله بفضلها التي كانت تُقدم لي الدعم النفسي والاجتماعي، وكانت تأخذ بيدي، وكانت تتواصل مع أمي باستمرار.
وبعد ثلاث سنوات قضيتها مع الأخصائية التي أجدها روح المدرسة؛ فقد عرفت أنه لست أنا الوحيد الذي تهتم به بل هناك الكثيرون مثلي، ولكنها سخَّرت كل يومها وطاقتها لإسعادنا نحن، وعندما كان لي آخر يوم بالمدرسة ذهبت لها أحمل الشكر على ما قدمته لي، وإذا بها تفاجئني بهدية ما زلت أحتفظ بها إلى الآن، ولكن قبل أن أرحل سألتها.. هل سأجد من يأخذ بيدي في مدرسة الذكور أي الحلقة الثانية (5-12)؟! قالت ستجد هناك من يكمل عملي.. هناك أخصائي اجتماعي متمرس في الحلقة الثانية، وبالفعل وجدته الذي أكمل المسيرة معي إلى أن أوصلني إلى هذا الباب، وجدت يدًا حانية تحتويني، وتمتص كل المشكلات التي أعاني منها كان يُتابع مستوى الدراسي ويتواصل مع أسرتي، ويقدم الدعم المادي والنفسي، وكان يشرح لي أهم مشكلات المراهقة التي سوف تواجهني وأهمية اختيار الأصدقاء الجيدين.
لقد وجدتُ في شخصية الأخصائي الاجتماعي أكثر من شخصية؛ فهو في الحالات المرضية يُقدم الدعم الصحي وفي المشكلات الاسرية يكون مستشارًا أسريًا، وفي المشكلات الدراسية تجده الناصح، وجدته هو كل المدرسة بفضل علاقاته الجيدة مع الإدارة والمعلمين وأولياء الأمور. عليه لو لم يكن متواجدًا بالمدرسة ماذا ستكون حالة الطلبة والمدرسة……. انتبه أحمد وهو ينظر على اللوحة المكتوب عليه قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي؛ فقد عزم على أن يصبح أخصائيًا اجتماعيًا لما لمسه من دور مهم في تغيير حياته، وحياة الكثيرين من طلبة المدرسة.
