زكريا بن عامر بن سليمان الهميمي
*تمهيد:
تعد ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية من الظواهر السلبية الشائعة في مجتمعاتنا الحديثة، نتيجة للعديد من الأسباب والعوامل المختلفة والمتنوعة، وتأتي ظاهرة إدمان المخدرات والمؤثرات العقلية على رأس قائمة أنواع الإدمان التي لها تداعيات سلبية خطيرة على صعيد الفرد و الأسرة والمجتمع، لذا تحرص الكثير من الدول والمجتمعات المتقدمة في عالمنا المعاصر على محاربة ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية بغية التقليل والحد من آثارها السلبية وتداعياتها الخطيرة على الصعيد الفردي، والصعيد الأسري، والصعيد المجتمعي، و على الصعيد الوطني العام، بل تقوم الكثير من الدول حاليا بربط المخدرات والمؤثرات العقلية وما تفرزه من ظواهر سلبية خطيرة بالأمن الوطني والقومي.
وتشكل ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية هاجسا لمؤسسات ومنظمات وإدارات ومجالس الأمن الوطني والقومي للكثير من دول العالم نظرا لتنامي هذه الظاهرة وتعدد أساليب التهريب والاتجار والحيازة، كما تستحوذ ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية ونتائجها السلبية على اهتمام العديد من الباحثين والأكاديميين ومراكز الأبحاث، حيث تم تناول ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية بالبحث والدراسة والتحليل باستخدام طرق البحث العلمي المختلفة.
وتحاول هذه الصفحات قراءة و مناقشة ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية في جزأين من أربع زوايا رئيسة، حيث يتناول الجزء الأول: زاوية تعريفات عامة لمصطلحات: الإدمان ، المخدرات، المؤثرات العقلية، وزاوية العوامل المسببة لظاهرة المخدرات و المؤثرات العقلية، و يتناول الجزء الثاني زاوية النتائج السلبية المترتبة على المخدرات والمؤثرات العقلية، وختاما بزاوية مقترحات ذات تطبيقات عملية للحد من تفشي ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية في المجتمعات الإنسانية.
*الزاوية الأولى: مفاهيم الإدمان، و المخدرات والمؤثرات العقلية (تعريفات عامة):
تتعدد التعريفات حول مصطلحات ومفاهيم الإدمان، والمخدرات، والمؤثرات العقلية لدى الباحثين في عدد من المراجع العلمية، ونلخص تلك التعريفات والمفاهيم في التالي:
١. الإدمان: Addiction) ): أحدث تعريف للإدمان هو تعريف الجمعية الأمريكية لطب الإدمان، فقد عرفت الإدمان بأنه:” مرض طبي مزمن قابل للعلاج يتضمن تفاعلات معقدة بين دوائر الدماغ، وعلم الوراثة والبيئة، وتجارب حياة الفرد، و يتعاطى الأشخاص الذين يعانون من الإدمان المواد أو ينخرطون في سلوكيات تصبح قهرية وتستمر في كثير من الأحيان على الرغم من العواقب الضارة”(1 .(
ومن الممكن تعريف مصطلح الإدمان أيضا بأنه:” تكرار تعاطي مادة أو أكثر من المواد المخدرة بشكل قهري مما يؤدي إلى حالة اعتماد ٍ عضوي أو نفسي أو كليهما مع التحمل وظهور الأعراض الإنسحابية في حالة الانقطاع” (2).
٢.المخدرات: (Drugs): يعرف مركز أبحاث الجريمة بالمملكة العربية السعودية المخدرات تعريفا قانونيا جاء فيه:” المخدرات تشير إلى مجموعة من المواد تسبب الإدمان وتسمم الجهاز العصبي، ويحظر تداولها أو زراعتها أو تصنيعها إلا لأغراض يحددها القانون، ولا تستعمل إلا بواسطة من يرخص له بذلك”(3).
ويطلق لفظ (مخدر) كذلك على ما يُذهب العقل ويغيبه، لاحتوائه على مواد كيميائية تؤدي إلى النعاس والنوم أو غياب الوعي.
٣.المؤثرات العقلية:((Psychotropic Substances: تعرف منظمة الصحة العالمية المؤثرات العقلية على أنها:” أي مادة تؤثر على العمليات العقلية مثل الإدراك والعاطفة”.(4).
و من الأمثلة على المؤثرات العقلية كمواد طبيعية أو تركيبية وفقا لما ورد في قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بسلطنة عمان الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 17/99: “مواد الهلوسة، والمنشطات، والمهدئات المنومة، ومضادات التوتر- غير المصرح بها قانونا-“. (5).
و نخلص من تلك التعريفات السابقة أن المخدرات والمؤثرات العقلية هي مواد تسبب الإدمان، كما أنها مواد مجرمة قانونا، و تسبب الكثير من الأضرار على صحة وسلامة الفرد والمجتمع.
* الزاوية الثانية: الأسباب والدوافع لظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية:
هناك الكثير من الأسباب والدوافع التي تدعوا بعض أفراد المجتمع لسلوك تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل المخدرات والمؤثرات العقلية، فمعرفة مثل هذه الدوافع والأسباب قد يقي النفس والمجتمع من الوقوع في براثن المخدرات والمؤثرات العقلية، وتداعياتها الخطيرة على الصحة الجسدية والنفسية، وعلى القيم الدينية، وعلى المثل والسلوكيات الأخلاقية الإنسانية العليا، وعلى الصعيد المالي والاقتصادي للأفراد والمجتمعات، وعلى صعيد الأمن الوطني، كما أن معرفة الأسباب والدوافع التي تؤدي لسلوك تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل المخدرات والمؤثرات العقلية تساهم في وضع استراتيجيات فعالة للحد من التداعيات والنتائج السلبية الخطيرة لهذه الظاهرة.
و يمكن تقسيم تلك الأسباب المؤدية لسلوك تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل المخدرات و المؤثرات العقلية إلى أربعة أقسام هي: الأسباب الفردية، والأسباب الأسرية، و الأسباب المجتمعية، والأسباب على صعيد منظومة التشريع ومؤسسات الدولة المعنية بشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية.
*أولا: الأسباب الفردية: وهي الأسباب العائدة إلى الفرد ذاته في تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل المخدرات والمؤثرات العقلية، ومن أمثلتها:
1. الابتعاد عن القيم الدينية لدى الفرد:
تحكم منظومة القيم الدينية القائمة على المحافظة على الكليات الخمس وهي- حفظ الدين، و النفس، والعقل، والمال، والنسب- سلوك الفرد وتصرفاته انطلاقا من مبادئ دينية أخلاقية عليا، فلا يجوز أن يلقي الإنسان بنفسه للتهلكة، ولا يجوز للإنسان أن يؤذي أو يضر جسده و عقله، كما لا يجوز أن يبذر ماله في تعاطي وإدمان وشراء الخبائث والمحرمات ومنها المخدرات والمؤثرات العقلية، وتعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل المخدرات والمؤثرات العقلية خرق لتلك القيم الدينية السامية المبنية على إعلاء شأن منظومة الأخلاق على صعيد الفرد وعلى صعيد المجتمع، فضعف الوازع الديني سبب في تعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية المحرمة شرعا، كما أن تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية لها تأثيرات سلبية على تطبيقات العبادة الدينية، فللمخدرات و المؤثرات العقلية تأثير سلبي مثبط لممارسة بعض العبادات والشعائر البدنية كالصلوات المفروضة والصوم وغيرها من العبادات البدنية.
2. التقليد الأعمى:
قد يعمد الفرد إلى تقليد من يتعاطون المخدرات والمؤثرات العقلية بغية إثبات الذات وإظهار الشخصية للآخرين دون وعي بالنتائج الصحية، والجنائية والاقتصادية والأخلاقية الخطيرة المترتبة على تعاطيها وإدمان تلك المواد، كما قد يقلد الأبناء آبائهم حال تعاطي كلا الوالدين أو أحدهما المخدرات والمؤثرات العقلية، اعتمادا على مفهوم عاطفي خاطئ من قبل بعض الأبناء مفاده أن رب الأسرة يمثل قدوة لأبنائه في كل شيء، لذا وجب تقليده تقليدا أعمى بلا تحكيم للعقل والمنطق، بعيدا عن يقظة الضمير، والحس السليم.
3. عدم الاهتمام بتربية و تزكية النفس:
قد تصبح النفس أسيرة للعادات السيئة والضارة ومنها عادة الإدمان على تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية عندما تكون بعيدة عن التربية و التزكية، فترك النفس بلا تزكية دينية وسلوكية وأخلاقية، وعدم محاسبتها عما تقوم به من أعمال خلال اليوم بغرض تصحيح الذات، وعدم تخصيص وقت خاص لممارسة مختلف أنواع العبادات المشروعة والأنشطة الأخلاقية النبيلة التي تهدف إلى تزكية النفس وتطهير الجانب النفسي والروحي بعيدا عن الإغراق في العالم المادي البحت، كل ذلك يجعل النفس أسيرة لعادة تعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية.
4. عدم استغلال وقت الفراغ إيجابيا:
عدم تنظيم الوقت تنظيما جيدا من خلال التخطيط الاستراتيجي الشخصي المنظم، وعدم شغل وقت الفراغ فيما يعود على الفرد بالنفع والصلاح والفائدة في حياته وآخرته كممارسة مختلف أنواع الرياضات النافعة، و ممارسة الهوايات المفيدة المختلفة كالقراءة، وتطوير العلاقات الاجتماعية الصالحة الايجابية، وتنامي حالة الملل لدى الفرد، كل تلك العوامل الناتجة عن عدم استغلال الوقت خاصة وقت الفراغ بشكل ايجابي قد تؤدي بالفرد إلى الوقوع في عادة تعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية.
5. التعبير عن المشكلات الفردية بطريقة سلبية:
قد يعاني الفرد من عدد من المشكلات والضغوطات المتنوعة في حياته، وقد لا يقوم الفرد بالتنفيس عن تلك المكبوتات والانفعالات والمشاعر الداخلية بطريقة إيجابية، مع كون :”التنفيس الانفعالي” بطريقة ايجابية – كما يرد في علم النفس- هو تنفيس ضروري للفرد، باعتبار أنه طريقة يعبر فيها الفرد عن مشاعره الداخلية المكبوتة مما يخفف على نفسه عبء تلك المكبوتات السلبية، فالكثير من المشاكل الاجتماعية والاضطرابات النفسية، والضغوطات الأسرية، والأزمات الاقتصادية الطارئة التي تواجه الفرد قد يقوم بالتعامل معها بطريقة سلبية انسحابيه بدل مواجهة تلك المشاكل والأزمات والضغوطات بروح شجاعة وبحكمة وبمنطق وموضوعية، ومما يزيد الأمر سوءا عدم محاولة إيجاد حلول عملية و منطقية وواقعية لتلك المشاكل الفردية من خلال عدم عرض الفرد تلك المشاكل على المختصين وأصحاب الخبرة لإيجاد حلول لها، مما يجعل الفرد ينسحب من عالم الواقع إلى عالم جديد يعتقد اعتقادا خاطئا أن ذلك الانسحاب سيعوضه عن تلك المشاكل، وينسيه همومه وأحزانه، ومعاناته وانفعالاته ومشاعره النفسية المكبوتة، وأزماته المادية والاقتصادية جراء ضغوطات الحياة، فينسحب الفرد إلى الإدمان على المخدرات والمؤثرات العقلية التي تؤدي به إلى أن يعيش في عالم خيالي مزيف بعيد تماما عن عالم الواقع، فلا يواجه الفرد تلك المشاكل بطريقة علمية ومنطقية منظمة تهدف لإيجاد حلول بناءة لها، بل يعيش الفرد من خلال ذلك الانسحاب في عالم الإدمان على المخدرات والمؤثرات العقلية فتزداد بذلك ضغوطاته المادية واضطراباته النفسية أكثر وأكثر، كون المخدرات والمؤثرات العقلية ليست هي الحل الأمثل والصحيح بل هي مشكلة في حد ذاتها.
6. تأثير الأقران السلبي على الفرد:
قد يلعب بعض الأقران دورا سلبيا في الترويج على تعاطي و إدمان المخدرات والمؤثرات العقلية، فيقال :” قل لي من تصاحب أقل لك من أنت، و يقال:” الأخ مرآة أخيه”، ويقال كذلك أن” الصاحب ساحب”، فقد يزين بعض الأقران لأقرانهم تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية من خلال إضفاء عدد من الصفات الإيجابية على المخدرات والمؤثرات العقلية بغرض التدليس والخداع والإغواء، والإغراء والتضليل، واستغلال عواطف الأصدقاء للترويج للمخدرات والمؤثرات العقلية، ومن أنواع تلك الصفات التي يتم إضفاؤها لترويج المخدرات والمؤثرات العقلية من قبل بعض الأقران: الرجولة، والتقدم والحداثة، والحرية والانفتاح، والتمدن والتحضر والتطور، وأن من لا يتعاطى تلك المواد فهو رجعي ومتخلف، ومنغلق ومتزمت ومتحجر، وبعيد عن عالم الحداثة إلى ما هنالك من صفات النقص الأخرى البعيدة تماما عن الواقع والمنطق والعلم والقيم الإنسانية، والبعيدة تماما عن المثل الدينية الروحية، والقيم الأخلاقية العليا التي تحذر من تعاطي مثل تلك المواد، وفي هذا السياق قد يلعب الأقران في المدرسة دورا مهما في نشر وترويج ثقافة التعاطي والإدمان لدى طلبة المدارس، مما يؤدي بهم للوقوع في براثن المخدرات والمؤثرات العقلية.
7. تساهل وتدرج الفرد في مشكلة تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية:
فهناك من يتساهل في حال تعاطي كميات قليلة أو بسيطة من المخدرات والمؤثرات العقلية بدعوى أنها مجرد كميات صغيرة وبسيطة لا تضر ولن يصل بعدها لمرحلة الإدمان عليها، بينما ثبت في الواقع أن تعاطي كميات ولو قليلة من المخدرات والمؤثرات العقلية كانت هي المقدمة الأولى التي قد جرت بعدها إلى حالات كبيرة وشديدة من الإدمان ،كما أن بعض العادات الفردية الضارة قد تقود تدريجيا لتعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية، فالمدمن قد يبدأ أولا بعادة التدخين، ثم عادة تناول المسكرات” المواد الكحولية”، مما قد يقوده بعدها إلى تعاطي وإدمان المؤثرات العقلية، وبعدها يبدأ بتعاطي المخدرات، فالتجربة الأولى لمثل تلك المواد الضارة كسلوك سلبي تدفع الفرد بشكل تدريجي لتعاطي وإدمان المواد المخدرة و تجره إلى انحرافات سلوكية، وجرائم جنائية و أخلاقية أكبر، فالبدء في تعاطي كميات قليلة من تلك المواد، قد يؤدي بعد ذلك في البدأ في مرحلة الإدمان.
8. تجربة الفرد للمخدرات والمؤثرات العقلية بدافع الفضول و الاستكشاف:
الرغبة والاستكشاف بدافع التجريب والفضول للمرة الأولى قد يدفع الفرد إلى تعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية، فقد يعمد البعض إلى زيارة بعض أماكن وجود المخدرات والمؤثرات العقلية التي تحوي بداخلها تلك المواد من باب الاكتشاف والاطلاع والتجريب والفضول، خاصة أماكن وجود المخدرات والمؤثرات العقلية أثناء السفر للخارج، فيقع الفرد بعدها من خلال اقترابه من مصدر تلك المواد ومراكز إنتاجها في تعاطي وإدمان تلك المواد، لذا فأماكن ومصادر وجود وإنتاج المخدرات والمؤثرات العقلية تعد مصيدة أو فخ قد يقع فيه الفرد في براثن المخدرات والمؤثرات العقلية.
9. قلة اطلاع الفرد على القوانين الجزائية المتعلقة بتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية:
الجهل وعدم الاكتراث بالتشريعات والقوانين والعقوبات الجزائية حول تجريم تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، تجعل الفرد يتجاهل أو يتجرأ على انتهاك حرمة تلك القوانين، أو قد يعمد إلى بث أفكار مضادة لها، وينسى أو يتناسى أن القوانين الجزائية ما جعلت إلا للحفاظ على المصلحة العامة، ومن بين تلك المصالح: حفظ الصحة والسلامة الفردية، والأمن المجتمعي العام، والحفاظ على ثوابت وهوية المجتمع الأصيلة، ونسيجه الاجتماعي، وأمنه الوطني.
10- إنخفاض المستوى التعليمي للفرد:
إن انخفاض المستوى التعليمي والجهل والأمية قد يجعل الفرد غير مدرك ولا واع للآثار السلبية المترتبة على سلوك تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل المخدرات والمؤثرات العقلية مما يجعله يقع في مستنقع تلك المواد الضارة.
11- إرتفاع أو انخفاض مستوى دخل الفرد:
إن ارتفاع مستوى دخل الفرد من خلال توفر السيولة المالية والنقدية لديه قد يدفعه إلى صرف تلك الأموال على المخدرات كنوع من المتع الحسية والمعنوية لدى الفرد حسب اعتقاده، وفي المقابل قد يدفع الدخل المعيشي المنخفض لدى بعض الأفراد المتمثل في الفقر إلى سلوك انتاج وصنع و زراعة وتهريب ونقل والإتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية بغرض الكسب والربح المالي السريع والثراء بطريقة غير مشروعة.
*ثانيا: الأسباب الأسرية:
الأسرة هي المحضن الأول للفرد، فهي بيئته الاجتماعية الأولى من حيث النشأة، لكن اختلال التوازن الأسري قد يؤدي إلى ظهور ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية، ومن أمثلة الدوافع الأسرية حول ظهور سلوكيات المخدرات والمؤثرات العقلية، نذكر منها:
1- غياب القدوة الأسرية الإيجابية: وذلك من خلال تعاطي و إدمان أحد الوالدين أو كليهما للمخدرات والمؤثرات العقلية، فقد يقلد الأبناء الأب والأم في تعاطيهما وإدمانهما على تلك المواد.
2- المشكلات الأسرية: فظهور عدد من المشكلات داخل الأسرة كحالات الطلاق بين الأبوين وما يترتب عليه من تفكك أسري، وظهور خلافات زوجية حادة داخل الأسرة، والعنف الأسري، وتراكم المشاكل المالية والاقتصادية على الأسرة ، قد يصيب الزوجين أو أبنائهم بالصدمات النفسية مما يؤدي إلى اتجاههم عالم المخدرات والمؤثرات العقلية.
3.إهمال التربية الأسرية:
فانشغال الأبوين الدائم عن أبنائهما ، وعدم مراقبة الآباء والأمهات لأبنائهم، وعدم قيام الأبوين بمسؤولياتهما التربوية تجاه الأبناء، والقسوة في التربية، قد يعرض الأبناء للوقوع في براثن إدمان المخدرات والمؤثرات العقلية.
*ثالثا: الأسباب المجتمعية:
يلعب المجتمع المحيط بالفرد أي البيئة التي يعيش فيها دورا في تفشي أسباب ظاهرة تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب المخدرات والمؤثرات العقلية، ونلخص بعض تلك الأسباب المجتمعية في التالي:
1. ازدياد ظاهرة الباحثين عن عمل في المجتمع:
حيث تشير بعض الدراسات البحثية والاستقصائية الكمية والنوعية أن عادة تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل وتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية تشيع وتكثر عند الباحثين عن عمل مقارنة بغيرهم من الفئات العاملة والمنتجة في المجتمع، فتصبح تجارة المخدرات بديلا عن العمل الشريف، كما أن لدى الباحثين عن عمل وقت فراغ كبير قد يقودهم ذلك الفراغ إلى استغلال الوقت بطريقة سلبية من خلال تعاملهم مع المخدرات والمؤثرات العقلية، لذا فحل مشكلة الباحثين عن عمل قد يؤدي إلى التقليل من ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية في المجتمع.
2. الترويج للمخدرات والمؤثرات العقلية في مجتمعات وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي:
تعمد بعض وسائل التواصل الاجتماعي المشبوهة، وبعض المواقع الإلكترونية المغرضة للترويج لتعاطي المخدرات و المؤثرات العقلية بما تبثه من أفلام ومقاطع، وإعلانات مبرمجة وموجهة خاصة لفئة الشباب والمراهقين لدفعهم للإدمان على المواد المخدرة و المؤثرة عقليا، حيث قد تحوي بعض وسائل التواصل الاجتماعي المشبوهة مشاهد تمثيلية تشجع وتدعم تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، كما تعمد بعض وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة المغرضة والموجهة والمبرمجة إلى تضليل وخداع الأفراد والمجتمعات من خلال التقليل من مخاطر تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية على الصحة أو السلامة، أو الترويج بأن جرعات قليلة من المخدرات والمؤثرات العقلية مفيدة للصحة، وقد يلجأ بعض المروجين والمهربين إلى إنتاج إعلانات مبرمجة ذات طابع إثارة تهدف لغسيل الدماغ و التأثير السلبي المبرمج على العواطف والمشاعر، وبيع الوهم خاصة لفئة الشباب والمراهقين بهدف تغييب الوعي الذاتي والوعي المجتمعي حول أضرار المخدرات والمؤثرات العقلية، كما تهدف بعض تلك الإعلانات إلى نشر ثقافة التقليل من أضرار تلك المواد بغية نشر تلك الثقافة المضللة بين الناس لتحقيق مكاسب مادية وأرباح مالية بحتة على حساب صحة الفرد و سلامة المجتمع، وعلى حساب الأخلاق والقيم النبيلة والمثل الدينية العليا في المجتمعات.
3. ضعف حملات التوعية في المجتمع ضد المخدرات و المؤثرات العقلية:
فالمجتمع الذي تسود فيه حملات التوعية الصحية والقانونية والدينية المنظمة حول أخطار تعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية تقل فيه نسبة التعاطي والإدمان على هذه المواد، وفي الاتجاه المقابل فغياب دور مؤسسات المجتمع المدني المنظم عن القيام بواجباتها تجاه التوعية بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية يزيد من خطر تعرض المجتمع لسلبيات المخدرات والمؤثرات العقلية، كما أن عدم اهتمام مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في المجتمع بعلاج وتأهيل ودمج حالات تعاطي وإدمان المخدرات والمؤسسات العقلية من خلال انشاء مراكز أهلية متخصصة في هذا الجانب قد يفاقم من مشكلة المخدرات والمؤثرات العقلية في المجتمع.
4.القرب من مجتمعات المخدرات و المؤثرات العقلية:
يلعب الموقع الجغرافي للدول والمجتمعات دورا كبيرا في شيوع ظواهر تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل المخدرات والمؤثرات العقلية ، حيث تواجه الدول القريبة من مصادر ومواقع إنتاج المخدرات والمؤثرات العقلية تحديات أمنية جمة في السيطرة على تهريب تلك المواد عبر العديد من المنافذ والطرق البرية والبحرية والجوية، وقد تصبح تلك الدول والمجتمعات القريبة من مصادر تهريب المخدرات والمؤثرات العقلية أيضا مصدرا لنقل تلك المواد عبر أراضيها، حيث تنشط تجارة الترانزيت للمخدرات والمؤثرات العقلية عبر أراضي تلك الدول، فيعمد بعض التجار والعصابات الدولية العابرة للحدود والقارات إلى تصدير وتهريب تلك المواد من مناطق الإنتاج إلى مناطق أخرى من خلال دفنها وتخزينها في أراضي تلك الدول تمهيدا لنقلها إلى بلدان أخرى، كما أن قرب بعض الدول من مناطق إنتاج تلك المواد يشكل لها تحديات كبيرة في عملية الترويج للمخدرات والمؤثرات العقلية فتتأثر تلك الدول والمجتمعات وتشيع فيها حالات التعاطي والإدمان على المخدرات والمؤثرات العقلية، إضافة إلى ذلك فإن وجود بؤر جغرافية داخل بعض الدول كبعض المدن المزدحمة، والبؤر السكانية الفقيرة التي تشيع فيها عمليات الترويج للمخدرات والمؤثرات العقلية يشكل مصادر خصبة لوجود تلك المواد داخل المجتمعات.
5- دور العمالة الوافدة غير المنظمة في المجتمع والتروبج للمخدرات والمؤثرات العقلية:
فالعمالة الوافدة غير المنظمة أو غير المرخصة قانونيا، والعمالة الوافدة المسرحة قد تشكل بؤرا للإتجار والترويج للمخدرات والمؤثرات العقلية في المجتمع من خلال التجارة المستترة.
*رابعا: الأسباب على صعيد منظومة التشريع و مؤسسات الدولة المعنية بمكافحة المخدرات و المؤثرات العقلية:
1. عدم مراجعة وتحديث منظومة التشريعات والقوانين في التعامل مع المخدرات والمؤثرات العقلية بشكل مستمر:
فالجريمة متطورة ومتجددة ومتنوعة وفقا لحركة التفاعل الإنساني داخل المجتمع التي تتسم بالتغير والتسارع المستمر في عالمنا المعاصر، وجرائم تعاطي وإدمان وانتاج وصنع و زراعة وحيازة وتهريب ونقل وتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية في صيرورة مستمرة، مع تعدد طرقها بشكل متسارع ومتطور، لذا من المنطق أن تتواكب التشريعات والقوانين الجزائية مع تلك الجرائم، لذا أصبح من الضروري مراجعة وتحديث منظومة التشريعات والقوانين المتعلقة بشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية بشكل دائم ومستمر لتتواكب مع تطور الجرائم المتعلقة بالمخدرات والمؤثرات العقلية.
2. عدم مواكبة الأجهزة الأمنية لتطور الذكاء الإجرامي في عمليات تهريب المخدرات والمؤثرات العقلية:
حيث تظهر في عالمنا المعاصر الذي يتسم بالتسارع والتجديد طرق وأساليب مبتكرة وغريبة ومتنوعة قد لا تخطر على بال في عمليات تهريب المخدرات والمؤثرات العقلية في المجتمع ناتجة عن الذكاء الإجرامي، مما يشكل تحديا كبيرا للأجهزة والسلطات الأمنية المعنية بمكافحة تهريب تلك المواد.
3. عدم كفاية أو نقص كفاءة مرافق العلاج والتأهيل والدمج لمتعاطي ومدمني المخدرات والمؤثرات العقلية:
حيث أن نقص أو ضعف كفاءة المرافق الصحية والإصلاحية الضرورية الحكومية كمراكز إصلاحية وتأهيلية من الجوانب النفسية والاجتماعية لحالات تعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية على مستوى الدولة، أو عدم كفاية الموارد المالية المخصصة لها، أو ضعف تأهيل أفراد تلك المرافق على صعيد الدولة بشكل علمي منظم في علاج وتأهيل ودمج المتعاطين والمدمنين على المخدرات والمؤثرات العقلية قد تشكل تحديا كبيرا في مجال علاج وتأهيل ودمج حالات تعاطي وإدمان المخدرات والمؤثرات العقلية.
*الهوامش:
1- أنظر: موقع الجمعية الأمريكية لطب الإدمان على الرابط:
( https://www.asam.org/quality-care/definition-of-addiction)
2- المهندي، المخدرات وآثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ص 48.
3-الحارثي، المخدرات وأثر عقوبة الإعدام عليها، ص 154.
4-( https://nrc.gov.ae/ar/what-are-psychoactive-substances)
5- أنظر: نصوص قانون مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية بسلطنة عمان على الرابط:
https://qanoon.om/p/)1999/l1999017/)
