فايزه محمد- شؤون عمانية
الجميع يعرف معنى التسول بمفهومه التقليدي، وهو طلب مال أو طعام من الناس، ويكون بأشكال مختلفة كالوقوف في الطرق لاستجداء الناس أو طرق أبواب بيوتهم أو محالهم التجارية.
لكن في العصر الحديث، اتخذ التسول أشكالا مختلفة، مثل حمل بعض المنتجات البسيطة واستجداء الناس من أجل شرائها دون تحديد ثمنها، أو الوقوف في إشارات المرور وعرض زجاجات المياه الصغيرة على سائقي المركبات بمقابل مادي غير المتعارف لزجاجة المياه وهو 100 بيسة، فالمتسول لا يهدف من هذا العمل بيع زجاجات المياه، وإنما طمعا في استجداء عواطف أصحاب السيارات من أجل إعطائه مبلغا من المال.
وبعد الطفرة الهائلة التي شهدها مجال الإعلام والانتشار الواسع لمفهوم الإعلام الجديد بأشكاله المختلفة، خاصة بعد الاعتماد الكبير على منصات التواصل الاجتماعي والمقاطع المرئية، برز نوع جديد من التسول، وهو التسول غير المباشر.
وللأسف الشديد، يتم استغلال الأطفال في هذا النوع من التسول لاستجداء تعاطف المتابعين، فتجد الشخص الذي يريد الحصول على منفعة ما يلجأ إلى هذا الأسلوب الذي نجح مع بعض الأفراد لأسباب معينة، وشجع عددا من ضعاف النفوس للسير على نفس المنهاج للوصول إلى مبتغاهم بطريقة غير أخلاقية لكنها سريعة.
ومن الطرق التي يلجأ إليها المتسول -وقد لاحظت ذلك أكثر من مرة- إظهار أوراق على أنها شهادات مرضية وفحوصات طبية، وادعاء الإصابة بمرض خطير يتطلب العلاج بالخارج أو شراء أدوية غالية الثمن، وأنه لا يملك المال اللازم للقيام بذلك، وهذه الحيلة يلجأ إليها بعض الوافدين ولكنها اختفت تقريبا لأنه من السهل اكتشافها مثل الادعاءات الأخرى.
كما يقوم بعض الوافدين باستجداء الناس بأنهم من أماكن حروب وأنه فقد عائلته أو تركهم دون معيل وهو بحاجة للمال من أجل مساعدتهم، والبعض الآخر يدعي أنه جاء من ولاية بعيدة لمراجعة المستشفى لكنه لا يملك المال اللازم للرجوع.
أساليب وطرق المتسولين كثيرة ومن السهل اكتشافها، ولكن للأسف بعض الناس يتعاطفون معهم ويعطونهم بعض المال من باب كسب الأجر، لكن أعتقد أن أفضل مساعدة يمكن تقديمها للمتسول هو إرشاده إلى الطرق الصحيحة لكسب المال بعيدا عن التسول واستجداء الناس.
إن آثار التسول على المجتمع خطيرة وكثيرة، منها ترك العمل والاتكال على استجداء الناس، فالمتسول يشعر أنه يستطيع الحصول على المال والطعام لمجرد الوقوف في شارع أو أمام مسجد فلماذا يعمل إذن وهو يستطيع الحصول على ما يريد بسهولة، ومنها تشويه صورة البلاد أمام الزائرين والمقيمين، وكذلك التأثير على القطاع السياحي لأن السياح لا يحبون الأماكن التي يوجد فيها متسولون.
وأما آثار التسول على المتسول نفسه فهي كثيرة منها: عدم الاستقرار النفسي والمالي، فالمتسول يخرج من بيته وهو غير متأكد أنه سيحصل على مال أم لا؟ غير متأكد إن كان سيجني أموالا كثيرة على مدار اليوم أم سيتم القبض عليه من الشرطة ويزج به في السجن وبالتالي يترك عائلته دون عائل، وبالتالي يعيش المتسول بحالة نفسية ومادية غير مستقرة، فهو ليس موظفا حتى يطمئن بوجود راتب في نهاية كل شهر، وإنما يعتمد على صدقات الناس.
كما أن ما يجنيه المتسول يوميا يعتمد على قرار الناس بمساعدته أو عدم مساعدته، فليس كل الناس لديهم رغبة في مساعدة المتسولين، بل إن أغلبهم يرفضون هذه الظاهرة ويعتبرونها غير حضارية ومسيئة للبلد والمجتمع.
وقد نهى الإسلام عن التسول كغيره من الظواهر السلبية التي تسيء للإنسان المسلم وتحط من كرامته، لأن الإسلام يريد تنشئة المسلم على التربية الصالحة والقدوة الحسنة وأن لا يذل نفسه أمام الناس والمجتمع، فالتسول ظاهرة قبيحة تُسيء إلى سمعة الإنسان وتحط من كرامته وتقدم صورة مشوهة للمجتمع.
وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُذلّ المؤمن نفسه، فقد قال عليه الصلاة والسلام كما أخرج الترمذي في سننه :(لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ).
وفي حديث آخر رواه البخاري في صحيحه حذّر النبي عليه الصلاة والسلام من ظاهرة التسول لأنها تسيء لكرامة الإنسان وتجعله في موقف المذل الذي يستجدي عواطف الناس من أجل حفنة من مال أو طعام، حيث قال عليه الصلاة والسلام: “مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ”.
إن هناك طرقا متعددة للقضاء على ظاهرة التسول منها: البحث عن عمل يدر للمتسول دخلا ثابتا يعيل به نفسه وأسرته بدلا من استجداء الناس، أو صرف إعانة اجتماعية للمتسول تساعده حتى الحصول على عمل مناسب، وتنظيم حملات توعوية تبين الآثار السلبية للتسول على المتسول والمجتمع والحث على كسب المال بطرق مشروعة.
لكن في سلطنة عُمان تكاد تقتصر ظاهرة التسول على الوافدين فقط، وبعض هؤلاء -للأسف الشديد- يبدو أنهم يعملون بشكل منظم ومدروس من حيث الزمان والمكان وطريقة التسول، فمن أين جاء هؤلاء؟ وكيف لمتسول وافد يستجدي الناس مبلغا بسيطا من المال، والمفترض أنه لا يملك مالا فكيف دخل البلاد.
والحل مع هؤلاء طبعا هو معرفة طريقة دخولهم البلاد، وإذا ثبت دخولهم بطريقة غير شرعية فالحل هو ترحيلهم، وأما من ثبت أنهم يعملون في البلاد ومع ذلك يمتهنون التسول فيجب التصرف معهم حسب قوانين البلاد.
