حمد الصبحي/ كاتب عُماني
كان العنوان الأول سيلان يومي، سخرية من الواقع المتشرذم، خيوط أحلام وخطوات، أظلاف الأيام وهي تحفر، أيام حبلى بالأمل والبحث عن المفقود، يتبع العنوان اسم “كونديرا”، وكونديرا هنا علامة فارقة في السخرية، على ما هو جامد وثابت وبغيض، اسمه كحديقة معلقة في قلوبنا، نردده بيننا، تلوكه ألسنتنا باستمرار، هل كنا نبحث عن مكان آخر لا نعود منه، لا نعرف، لكن اسم كونديرا كان يزحف على اللسان، يسيل ضحكا وغراما ونسيانا حتى أحد الأصدقاء (صاحب المفارقات) بيننا، يعلق على كل شيء بكونديرا، يثير طاولات الليل بصخب الراء المفقودة من حلق صديقنا الممتلئ بكونديرا، انطبع هذا الاسم في لساننا مذ أن تعرفنا على عالمه الروائي المدهش.
هكذا هو كونديرا عصيّ على النسيان، وهكذا هي رواياته تقرأ أكثر من مرة، أليس هو القائل؛ “الروايات تمنحنا فرصة للهروب الخيالي وتقتلعنا من حياة لم تكن تمنحنا أي إحساس بالرضا”، روايات كونديرا نسيج من عالم غريب وعجيب، يمرن يده على كتابة لم نألفها بدءا من العنوان، عنوانه يقودك أن تقرأ من أول سطر ويدفعك لانتظار القادم، ويكثر الحديث والسؤال عن آخر قراءة، كنا نركض وراءه كالذي يركض وراء الزمن، لكن كونديرا يعلمنا بقوله عندما يقول؛
” جميعنا في جزء ما من أنفسنا نعيش وراء الزمن، ربما لا نعي عمرنا إلا في لحظات استثنائية ، إننا معظم الوقت أشخاص بلا أعمار “ .

نقرأ عناوينه ونعيشها حلما، الحياة في مكان آخر، غراميات مرحة الضحك والنسيان إلى آخر عناوينه الملفتة والمدهشة، وبدأت ب “غراميات مضحكة” و”المزحة”، وفي سطره سحر اللغة واكتنازها، وكأنه يريد أن يقول لنا بأن الكتابة هي خيط الخلود، وهي كذلك، كونديرا يكتب من أجل أن ينقذ نفسه وينقذنا من الخراب الكبير، يكتب كما كتب غيره ليكون خالدا، يكتب ليكون بيننا فكان، طار من وطنه التشيك ليسكن معنا، بيننا، فينا، لكنه غادرنا وتركنا فريسة حياة لم يمجدها إلا هو، في الحب والغرام والنسيان، كسر عنق الكائن الذي لا تحتمل خفته.
ميلان كونديرا اسم عاش ورقص في واقعنا، في مخيلتنا، في دم أحلامنا، في كل شيء، وما أجمل التفاصيل بين سطور أعماله، تقرأ روايته ولا تفكر في النهاية، ومن هنا تعيش لتكون خالدة كبقية الأعمال الكلاسيكية، أسماء خالدة وأعمال خالدة، نقرأ سخرية ميلان ونضحك، وكأننا نبحث عن مكان آخر، مكان مفقود؛ قام رجل تشيكي بطلب تأشيرة هجرة، سأله الموظف:
أين تريد الذهاب؟ فأجاب الرجل: ليس مهماً، فعرض الموظف على الرجل كرة أرضية وقال له: اختر البلد لو سمحت، نظر الرجل إلى الكرة الأرضية أدارها ببطء، ثم قال: هل لديك كرة أخرى؟.

نعم هكذا ميلان كونديرا، هكذا يكتب، هكذا يسخر، هكذا يحب، هكذا ينتصر للإنسان، هذا الإنسان الذي كلفه حياته وعمره وجنسية طينته، جلدته، عاش من أجل الموقف وولد شاعرا وسينمائيا، لكن الحكاية تطارده، تتعقبه، تضرب يديه قبل أن تصيبه بالدوار والهذيان، يحمل مكانه أينما ذهب، يحمل إنسانه ليتحدث عنه، يفصح عنه، يكتب عنه، فكان خطه الروائي الذي لا يمل.
كونديرا أسلوب حياة يضعنا أمام العدم ويتساءل؛ “هل بالإمكان إدانة ما هو زائل؟
إن غيوم المغيب البرتقالية تضفي على كل شيء ألق الحنين، حتى على المقصلة”.
نغرق في حكاياته التي تصيبنا بمرض الحب، ينتزع كلماته من حلق الحياة، ينسجها بدم ساخر، إنها حكمة لكل زمن يعاش، الكتابة عند كونديرا حكمة، وكما يقول “إن حكمة الرواية تكمن بالضبط في جهلها، إنها الأرض التي لا أحد فيها يمتلك الحقيقة”، هذا هو كونديرا، أو عالم كونديرا فضاء يكبر ويتمدد، ومن يقرأه يعيش معه ومع أزمنته وأمكنته، ويقع في غرامه، مدهش في السرد والرمز، مدهش في خيوط الحكاية، وكأنه أراد أن يحفر الزمن ليكون فكان، شكرا للزمن الذي عشناه مع كونديرا، وعاش معنا بكل تفاصيله ومفارقاته وتحولاته وحروبه وتراجعاته وظلامه وانكساراته واحباطاته وأحلامه المغدورة، عاشه بصر الحكاية التي لا تنتهي، وسيقرأ في كل الأزمنة، ومن يقرأ منجزه سيجد الحياة في مكان آخر، أو بالقرب من الضحك والنسيان.


