الحلقة الأولى من سلسلة حلقات كتاب: قبل أن أتصوف كنت راهبا.. قرون الإسلام الأولى
د. محمد الزّكري القضاعي
Residues of the “former religious familiarity” in the context of the conversion of the Christian Companions to Islam and its impact on Sufism
نحن بصدد سؤال هل يمكن أن يزول بشكل كامل المكون الديني الجاهلي الذي تشكل لدى الانسان قبل اعتناق الاسلام؟وهل يتناقض أن يكون الصحابي أو التابعي أو تابع التابعي مسلما مع حقيقة أن به بعض من بقايا جاهلية أو نصرانية أو يهودية؟
المرويات النبوية الشريفة تفيدنا بأن شيء من المكون السابق يستمر مع الانسان. فرواية أن “النَّاسُ مَعادِنُ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلَامِ إذَا فَقُهُوا” أخرجه البخاري (3383)، ومسلم (2378) تشير إلى أن الخصال الخيرية التي تكونت في المتحول قبل الإسلام تستمر معه إلى مرحلة ما بعد التحول، مع التأكيد على أهمية إبقائها.
كما أن تعبير الرسول ص ” (إنك امرؤ فيك جاهلية) ” في حق أحد صحابته، بعد أن اعتنق الإسلام، خير دليل على بقاء الرواسب القَبْلِيّة غير الخيريّة في مرحلة ما بعد التحول الديني، مع التشديد على أهمية تفعيل جهاز المراقبة الذاتية على السلوكيات من أفعال وأقوال لتقليص الرواسب السلبية.
ذكر أهل التاريخ رواسب النصرانية مع المسلمين الأوائل منهم حيث عندما أسلمت كندة وبنو كلب ما انقرضت النصرانية دفعة واحدة. أخبر بذ لك ابن هشام في سيرة الرسول ص. 282، وكذا روى ياقوت في المقتضب عن مدر كلب أي أهل البادية فقال: “اسلمت كلب غير مدرها كانوا نصارى” وبقي الذين أسلموا منهم عل عاداتهم النصرانية كما روى في كتاب البلدان لابن الفقيه (ص. 315) فقال عنهم: “أنهم مسلمون في أخلاق النصارى”.
وأخبر ابن قتيبة في عيون الأخبار (ص. 174) والجاحظ في البيان والتبيين (2: 62) أن بعض من أسلم منهم كانوا يضربون الناقوس ويترددون إلى الكنيسة التي تعمدوا فيها.
الساكن في وجدان هذا الكتاب كشف الرواسب من المألوف الديني السابق لدى الصحابة/التابعين/ تابع التابعين ممن كان نصرانيا أو ممن تأثر بهم ثم أعتنق الإسلام وتأثيرهم على التصوف.
ينطلق الكتاب بمسح الحالة النصرانية قُبَيْلَ الإسلام وبُعَيْدَه في جزيرة العرب ومحيطها. ذكر اسم الممالك والإمارات النصرانية، ذكر أسباب انبثاق ظاهرة الترهب. ذكر أنواع مساكنهم (خيام، كهوف، قلالي، أديرة)، وذكر أنواع التّرَهُب من رهبانية عذرية ورهبانية تجوعية ورهبانية سكونية ورهبانية حبوسية ورهبانية حكيمية ورهبانية راشدية وحكيمية.
قضية التمييز بين الرهبانية التعذبية البَرَارِيّة القاسية والرهبانية الحضارية المدنية الناعمة وموقف الرسول ص من كليهما عندما بدأت إرهاصات التصوف تنبثق من كنف الإسلام الحنيف، قضية مركزية. وفي سياق تشييد الرسول ص للمسارات العريضة المؤطرة لما هو مقبول إسلاميا لذوي الاحتياجات الروحانية لفريق من أصحابه الكرام الذين سمعوا أو شاهدوا أو مارسوا الرهبانية (تعذرية ورهبانية تجوعية ورهبانية سكونية ورهبانية حبوسية) قبل الإسلام سنفرغ فصلا خاص به لأهميته.
يجدر بنا أن نعلم أن التخلص من الرواسب لا يحصل بين يوم وليلة لذلك يقول أتباع دراسات اعتناق الدين الحديث أن التحول الديني عملية شاملة ولا تقتصر على تطورات روحانية أو شرعية بل أيضا تحتوي على عملية التّثَاقُف. والتّثَاقُف مشوار يبحث فيه صاحب الثقافتين كيف يفهم الثقافة الثانية (الاسلامية) عبر عقله الذي تشكل في الثقافة الأولى؟ ماذا يبقي، ولماذا؟ وماذا يلغي، ولماذا؟ التّثَاقُف رحلة يخوضها كل معتنق لدين جديد، وتتكون من عمليات فرعية فيها “التكيف” (Adaptation) والابتداع (innovation) والتصحيح التدبري (reflexivity).
رؤية الكتاب تقر بوجود مشترك بين الرهبان والرهبان الذين أسلموا وتصوفوا والمتصوفة القدامى تتقاطع في محيط التقرب إلى الله. الكتاب يسلط بعض الضوء على حقيقة تعدد طرق ومنهج الرهبان إلى الله. ونتطرق الى أن أعم تلك المناهج امتازت بقسوتها بجعلها من جسد الراهب موضوع صراع جسيم بين الخير والشر. حتى اقترنت الرهبانية مع شدة المبالغة بتعريض الراهب لجسده إلى ضراوة العيش وحرمانه من ضرورياته الطعاميّة والجنسيّة والعشريّة مع الناس بتجويع الجسد والعزلة في البراري والصحاري عن الناس والعزوبية الأبدية. يبحث الكتاب عن الصحابة الذين كان بهم شيء من الرهبانية البرَاريّة المسيحية القاسية.
بعد ذلك نذهب الى البصرة لنتحدث عن إعتناق المسيحين العراقيين القريبين من البصرة للإسلام وبجلبهم ملامح من القساوة الرهبانية إلى نسختهم التّصَوفيّة. بعد ذلك نرصد تقليد المتصوفة ممن ليسوا من خلفية نصرانية ملامح من تصوف من كانوا رهابنة وتعرضهم إلى توبيخ الفقهاء وأهل الحديث لهم على أهمية ممارسة التصوف المنطلق من ثنايا الإسلام تصوف حضري لا برَاريّ بقسوته.
بعد ذلك نرصد نضوج علاقة التصوف مع الرهبانيون الديريون حيث نرصد حركة متواصلة بين المتصوفة والأدرية بحثا عن الحكمة لا بحثا عن الرهبانية البرَاريّة.
أخيرا يرصد الكتاب تبلور علاقة عكسية نضجت تحت قلم اللاهوتي العراقي القديس مار غريغوريوس ابن العبري (قرية “عبرى”تقع قرب نهر الفرات) مفريان المشرق (1226 ـ 1286)الذي ترك الرهبانية البرَاريّة وتقمص القيم الصوفية الإسلامية الحضرية ومفرداتها ومنطقها لكتابة مؤلفه “الإيثيقون: تصوف الرهابنة”.
