جاسم بني عرابة
مع نهايات القرن التاسع عشر ظهرت ما تسمى بالنظرية السياسية الرابعة بعد الليبرالية والشيوعية والفاشية، وهي نظرية الـ”أوراسيا” التي تجعل من المزيج الشعبي الروسي غير منتمٍ لأوروبا فقط، بل أوروبي وآسيوي معًا، فظهر هذا المصطلح الذي يجمع بين أوروبا وآسيا ليصف منهجية تحاول التخلص من هيمنة الحضارة الغربية، وقد تطورت هذه الفكرة في كتابات نيكولاي روبتسكوي وجورج فيرنادسكي وليف غوملييف ويوتر سافيتسكي. ثم ما لبث عالم الجيوبوليتكس الروسي الشهير ألكسندر دوغين أن طور هذه الفكرة في العديد من كتاباته، لعل أهمها كتابه المعروف “أسس الجيوبوليتيكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي”.
على نفس صياغة “أوراسيا”، صاغ البروفيسور علي المزروعي مصطلحه الخاص الذي يجمع بين اسم أفريقيا والدول العربية (Africa & Arabia) من أجل مشروعه الفكري الذي عُرف بـ”أفرابيا/ Afrabia” محاولا مد جسور التواصل السياسي والاقتصادي والشعبوي والهوياتي بين الدول العربية ودول أفريقيا وإعادة العلاقات القوية بين الطرفين كما كانت تاريخيا.
يحاول هذا المقال أن يأخذ “مسحًا خاطفًا” على هذا المشروع، مثالا على أفكار البروفيسور علي المزروعي، الذي قُدمت بعض من جوانب سيرته في المقال الأول، ويمكن لسيرته أن توضح جوانب كثيرة مهمة من هذا المشروع.
يعتقد المزروعي أن العرب والأفارقة قد عاشوا في قارة واحدة، ثم حدث انفصال جيولوجي لأفريقيا الذي نتج عنه ظهور البحر الأحمر، ثم قناة السويس. لكن على الرغم من ذلك فإن حجم التواصل الذي عاشه العرب والأفارقة عبر حقب تاريخية طويلة لم يؤثر فيه هذا الانفصال، مما أدى إلى ظهور تخالط الشعبين معا والوصول إلى حالة الأفرابيا.
إن أول ظهور لفكرة أفرابيا كانت بسبب فكرة الوحدة الإفريقية عبر الصحراء الكبرى، فقد اعتقدت أول موجات فكر ما بعد الاستعمار في إفريقيا مثل مؤسس غانا كوامي نكروما بأن الصحراء الكبرى هي جسر وليست فجوة.
يطرح المزروعي سؤال “من هم الأفرابيون؟” ثم يجيب من خلال تصنيف أربع فئات تمثل عموم الأفرابيين وهي:
1- الأفرابيون ثقافيًا: هم الذين تم تعريب ثقافتهم وطريقة حياتهم بعمق، لكنهم ليسوا عربا لسانيا. معظم الصوماليين والهوسا وبعض السواحليين ينتمون لهذه الفئة، فلغتهم الأم ليست العربية، لكن ثقافتهم ذات طابع عربي وإسلامي.
2- الأفرابيون أيديولوجيًّا: هم الذين يعتقدون فكريًّا بالوحدة بين العرب والأفارقة، أو على الأقل بين أفريقيا العربية وأفريقيا السوداء. يمكن تصنيف كوامي نكروما، الرئيس المؤسس لغانا، وجمال عبد الناصر، وسيكو توري -الأب المؤسس لغينيا ما بعد الاستعمار- من هؤلاء الأفرابيين أيديولوجيا، لأنهم آمنوا بأن الصحراء الكبرى جسر وليست فجوة.
3- الأفرابيون ديموغرافيًّا: هم العرب والبربر ساكنو دولٍ تملك عضوية في جامعة الدول العربية والاتحاد الافريقي. بعض هذه الدول ذات أغلبية عربية، مثل مصر وتونس، وبعضها الآخر يشكل العرب فيها عددًا هامشيا، مثل موريتانيا والصومال وجزر القمر. هذه الدول تشترك في أن أغلب سكانها من المسلمين.
4- الأفرابيون جينيًّا: هم الأحفاد مختلطو الأعراق من آباء وأجداد عرب وأفارقة سود، من أمثلة هؤلاء في شمال أفريقيا أنور السادات، يقول المزروعي إن أم السادات كانت سوداء وعلى الرغم من انتقاده لعدة أسباب سياسية، غير أنه لم يُنتقد أبدا بسبب اختلاط عرقه. وفي جنوب الصحراء الكبرى، يمثل سالم أحمد سالم، صاحب أطول فترة في منصب أمين عام منظمة الاتحاد الإفريقي مثالا على الأفرابيين جينيا. كما تنتمي عائلة المزروعي نفسه المنتشرة في ساحل كينيا وتنزانيا لهذه الفئة أيضا. ويجب الانتباه -كما يلفت المزروعي- إلى أن السودانيين الشماليين يندرجون في فئتي الأفرابيون جغرافيا وجينيا.
إن التلاحم العربي الإفريقي هو عملية تاريخية بطيئة تحدث عبر الأجيال، غير أن هناك أمر أكثر استعجالا وهو القيام بتعاون قائم على المصالحة في المستقبل القريب. ومن أجل هذا يدلل علي المزروعي على فكرة المصالحة هذه بمثالين تاريخيين يمكن اعتبارهما أنموذجا مقارنًا للمصالحة الأفرابية وهما: الأول المصالحة الأنجلو-أميركية بين شعب المملكة المتحدة وشعب الولايات المتحدة من العداء إلى الصداقة منذ نهاية القرن الثامن عشر حتى الحربين العالميتين. وهذا النموذج يعبر عن المصالحة البطيئة العميقة. والثاني المصالحة بين الولايات المتحدة واليابان والانتقال من حالة العداء إلى حالة الصداقة منذ 1941 حتى اللحظة. وهذا النموذج يعبر عن المصالحة السريعة السطحية.
يقول المزروعي بأن المصالحة بين العرب والأفارقة ينبغي أن تأخذ مكانا في المنتصف بين الأنموذجين السابقين، فتكون أسرع من المصالحة الأنجلو-أميركية وأعمق من المصالحة الأميركية-اليابانية. كما يضيف إن مما تتضمنه هذه المصالحة تجاوز ذكريات ثورة زنجبار -عام 1964- وذكريات مشاركة العرب في تجارة العبيد في أفريقيا. ثم يطرح سؤالا كأنه انتُزِع من نص أدبي فيقول: هل يُمكن نسيان ألم الماضي؟.
يدلل المزروعي على إمكانية هذه المصالحة من خلال عاملين مهمين هما الجغرافيا والثقافة. فيقول إن أغلب العرب يعيشون في أفريقيا، كما أن معظم الأراضي العربية تقع في أفريقيا. إضافة لذلك فالمسلمون في نيجيريا أكثر من أي بلد عربي.
يتعرض المزروعي للاثنيات أيضا فيقول إن التمازج بين العرب والأفارقة قد ولّد إثنيات، منها الجماعات الكوشية، مثل الصوماليين في القرن الإفريقي. كما لعبت ثلاث دول/شعوب في ظهور جماعات إثنية جديدة في شرق إفريقيا، وهي عمان والسعودية واليمن. وأما عن دور عمان فيصفه المزروعي بأنه مركزي في التاريخ الحديث للتراث السواحيلي.
يستمر المزروعي في الحديث عن الارتباط الثقافي واللساني بين العرب والأفارقة فيقول بأن لفظ “أفريقيا” قد جاء على الأرجح من اللغة البربرية، وكان يُقصد بها بداية “تونس”، فحتى اسم القارة قد جاء من ما يُعرف اليوم بعرب إفريقيا.
يذكر المزروعي أيضا الهجرات التي حدثت من الجانبين، العربي نحو أفريقيا، والأفريقي نحو بلاد العرب، فيقول إن أول مؤذن في الإسلام الصحابي بلال بن رباح دليل على الوجود الافريقي في بلاد العرب قبل الاسلام. ولعل فات البروفيسور مثالين آخرين بارزين غير بلال بن رباح، أولهما عنترة بن شداد، الذي كان يقول:
وَأَنا اِبنُ سَوداءِ الجَبينِ كَأَنَّها
ضَبُعٌ تَرَعرَعَ في رُسومِ المَنزِلِ
وقال:
يُنادونَني في السِلمِ يا اِبنَ زَبيبَةٍ
وَعِندَ صِدامِ الخَيلِ يا اِبنَ الأَطايِبِ
فعنترة يمكن أن يكون مثالا للفئة الرابعة التي طرحها المزروعي من فئات الأفرابيين، فهو ابن أب عربي وأم إفريقية.
وثانيهما هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الذي كتب من ضمن رسائله “فخر السودان على البيضان”، وأورد فيها مناقبهم.
وعلى كل حال، فإن هذا كان مثالا على الوجود الإفريقي في البلاد العربية، أما الوجود العربي في البلاد الإفريقية فإن المزروعي يستدل عليه بالهجرة في عهد النبي ﷺ إلى الحبشة.
من خلال هذا العرض البسيط، اتضحت بعض معالم مشروع البروفيسور علي المزروعي، وبعض الجوانب منه، لكن يحق للناظر السؤال: ما التحديات التي واجهت أفرابيا؟
يطرح حمدي عبد الرحمن حسن بعض التحديات التي واجهت المضي بهذا المشروع، منها ثورات الربيع العربي وما أعقبها من تغيرات، والصراعات الكبرى في إفريقيا مثل الصومال ومالي ودارفور، وتغير توازن القوى في مناطق التماس العربي-الإفريقي، ومحاولة إسرائيل اختراق منظومة الأمن الجماعي الأفريقي من خلال دخولها عضوا مراقبا في الاتحاد الافريقي، ومحاولات الدول الكبرى الاستفادة من موارد أفريقيا الطبيعية وتصارعها في العديد من المناطق الإفريقية.
ختامًا، إن أفرابيا مشروع اشتغل عليه البروفيسور علي المزروعي بهدف إعادة التجسير العلاقات -التي لا تقتصر على السياسية والاقتصادية فحسب بل الاجتماعية والثقافية أيضا- بين إفريقيا والدول العربية، ولما كانت هناك بعض المحاولات لإضفاء الطابع المؤسساتي على أفرابيا لعل أبرزها كان في مؤتمر القاهرة 1977، لكن لم يحدث شيء حتى اللحظة، وربما يكون ذلك في مستقبل قريب.
