أحمد عمر زعبار – شاعر وإعلامي تونسي مقيم في لندن
“تغريبة القافر”.. رواية ذات أبعاد متعددة، تمزج بين الواقع وأحداث فيها الكثير من الغرائبية ما يقربها من الأسطورة.
تبدأ الرواية بصرخة مدوية مرعبة مفزعة “غريقة غريقة” وكأن الكاتب أراد أن يسحبنا بقوة من أول سطر بل من أول كلمة في روايته ليشد انتباهنا إلى أمر لا يقبل الانتظار.
تتطرق “تغريبة القافر” إلى أكثر من موضوع وثيمة تكاد تتمحور كلها حول الماء، تنطلق منه وتؤدي إليه، فمصائر الأبطال مرتبطة بشكل أو بآخر بالماء، حتى أننا لا نكاد نقرأ صفحة دون أن نجد فيها ذكرا للماء أو لرمزيته، فالماء الذي احتضن جثة الغريقة هو ذات الماء الذي كان الشافي الوحيد لها من أوجاع صداعها: “ثم لاحظت أن صداعها يخف إذا أغمضت عينيها وعندما نزلت مرة إلى حوض الماء بجانب البئر، وغاصت تحت الماء لاحظت أن الصداع اختفى تماما صـ18”.
كما اقترن الماء بالحياة وبالموت، به تبدأ الحياة وبه تنتهي: “غسلت كاذية بنت غانم المولود بالماء ذاته الذي غسلت به والدته المتوفاه صـ27″، وحتى على مستوى اللغة اعتمد الكاتب أسلوبا “يقطر ماءً”: “(سكنت في داخله مثل سكون الينابيع في قلب الحجر” .. “بدأ ينصت إلى ينبوع ضئيل يسيل متدفقاً خجلاً في أعماقه”.
وفي موضع آخر يقول: “بكت بحرقة كفلجٍ نشيط رُفع الصوار عن قنواته”، “لكن مطرا آخر من الحب هطل في قلبها صـ35″، “شعرت بأنها هي من كانت ترتوي حين تحدق مليا في قسمات وجهه البريء صـ35”.
إن هذا الحضور القوي والدائم للماء في الحياة والموت والحب واللغة، أقرب إلى أن يكون أمرا طبيعيا في رواية بدأت بصرخة “غريقة غريقة” حيث الماء هو المكان الذي احتوى الحدث الأول الذي بنيت عليه بقية الأحداث.
يتنوع السرد ويتقطع من خلال أحداث تثير ذكريات، فتنتقل الحكاية من واقع إلى آخر ومن الحاضر إلى الماضي ومن الواقعي إلى الغرائبي، ويعود القاسمي إلى المخيلة الشعبية للعُمانيين، ليبني تفاصيل حكايته القريبة من حياة الناس، بل والمستمدة من واقعهم، إذ يوجد عالم تحتي فيه الكثير من الغرائبية التي تأخذنا إلى عوالم الواقعية السحرية التي ميزت كثيرا من روايات أمريكا اللاتينية.
يتكون عالم زهران القاسم في “تغريبة القافر” من عالَم علوي وعالَم تحتي، ويبدو أنه الأهم والأكثر تأثيرا في الرواية لما فيه من جنيات وساحرات وتفاصيل أحداث يصعب بل يستحيل تفسيرها بالمنطق العقلي المجرد، كحالة المرأة التي لم تعد تعرف ابنها أو الابن الذي يسمع الماء تحت الأرض أو الأم التي تشفى من الصداع بوضع رأسها في الماء، أو حالة الرجل المسن العابر الذي عرف اسم الابن سلام دون سابق معرفة أو لقاء.
والسرد في “تغريبة القافر” أقرب إلى السرد الحكائي الذي يتناسب مع الأجواء الغرائبية في الرواية التي تروي فيما ترويه حكاية القرى وناس القرى خلال فترة زمنية غير بعيدة، فيها من تصوير حياة الناس وإيمانهم الشيء الكثير، وهي حياة مطعمة بالسحري والغرائبي إلى درجة أن واقعهم قد يصبح بلا معنى دون خرافة التي أصبحت واقعا آخر يعيشونه برضا وقناعة. د
ليس في الرواية رومانسية سطحية تمجد القرية مقابل احتقار المدينة وناسها، والحقيقة أن الرواية وفرت للقارئ العربي فرصة معرفة جانب ولو جزئي جدا ومحدود من حياة الناس في قرى عُمان خصوصا أن الأدب العماني رغم أهميته وخصوصيته لا يكاد يُقرأ في العالم العربي ليس لنقيصة فيه بل لضعف في عمليات التسويق والانتشار.
ومن ضمن ما كشفته الرواية أيضا للقارئ غير لعماني وربما غير خليجي أيضا، دور المرأة، فللمرأة في “تغريبة الغافر” وهو دور مركزي وأساسي، فهي ليست مجرد هامش تكميلي لشخصية الرجل أو إضافة روائية يحتاجها التكنيك الروائي، وأكثر ما يتجلى ذلك في أن المرأة هي التي أنقذت حياة “الغافر” إذ أخرجته حيا من بطن أمه الميتة رغم معارضة الشيخ الممثل للسلطة الأبوية الذكورية في مجتمع القرية: “وفي خضم النزاع القائم وغفلة الناس سحبت كاذية بنت غانم سكينا.. ورفعت ثوب الغريقة وشقت بطنها ثم أدخلت يديها لتخرج الطفل من الرحم صـ15″، ويؤكد أهمية دور المرأة ما قاله زهران القاسمي لموقع الجائزة العالمية للرواية العربية: “المرأة تاريخيا هي من أنسنت البشر، هي من بدأت في التحول الحضاري وفي الزراعة، وكانت السبب في الكثير من التحولات التاريخية المهمة، لذلك حاولت أن أركز على ذلك في العمل، كيف أن المرأة هي سبب التحولات أيضا التي طرأت على الشخصية الرئيسة في الرواية”.
“تغريبة الغافر” سواء اتفقنا على أهميتها أو لم نتفق وسواء اتفقنا على أحقيتها في الفوز بجائزة البوكر للرواية العربية أو لم نتفق، فهي رواية جديرة بالقراءة المتأنية، وأي محاولة لتلخيص مضمونها في أية قراءة نقدية سيظلمها ولن يعطيها حقها، لأنها مليئة بالتفاصيل التي تمثل جزءا هاما من الحدث الرئيسي حتى كأن التفاصيل هي ما يعطي الحدث الرئيسي شرعيته وأهميته وخصوصيته.
تقع “تغريبة الغافر في 228 صفحة من الحجم المتوسط، صادرة عن دار مسكلياني بتونس ودار رشم في السعودية سنة 2021، وهي أول رواية عمانية تفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر”.
يذكر أن “سيدات القمر” للكاتبة العمانية جوخة الحارثية كانت أول رواية عربية- في نسختها المترجمة إلى الإنجليزية- تفوز بجائزة مان بوكر العالمية لعام 2019 كما وصلت رواية “دلشاد” للكاتبة بشرى خلفان إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية العام الماضي.
وزهران القاسمي شاعر وروائي عُماني مواليد 1974، صدر له ثلاث روايات قبل “تغريبة القافر” هي “جبل الشوع” 2013، ” القنّاص” 2014، و”جوع العسل” 2017، بالإضافة إلى عدد من المجاميع الشعرية منها “أمسكنا الوعل من قرونه” و”رحيق النار” و”مراكب ورقية”.
