فلاح بن حمد الوهيبي
لعل من يقرأ عنوان هذا المقال سيتبادر إلى ذهنه أنه سيتحدث عن (الإسلام فوبيا) الظاهرة العنصرية التي تمارس التمييز ضد المسلمين في دول العالم الأول، ولكن هذا المقال سيتحدث عن تمييز آخر وهو التمييزفي الدول الإسلامية ضد المسلمين وهو الأكثر انتشارا وانتهاكا لحقوقهم الإنسانية بسبب انتماءهم المذهبي أو الفكري أو حقهم في التدين، وما دفعني حقيقة لكتابة هذا المقال هو هاجس متجدد بسبب خطاب يتطور بتطور الأدوات والمنصات الصادر منها؛ فقبل فترة قصيرة شاهدت مقطعا متداولا في مواقع التواصل الاجتماعي لداعية إسلامي يجيب عن سؤال أحد متابعيه: هل يجوز الصلاة خلف إمام يعتنق المذهب الفلاني؟ ورغم أن هذا السؤال عابر للحدود ويبين خطورة نفسية وانتماء السائل، جاءت الإجابة بمقدمة يبين فيها هذا الداعية بأن أتباع هذا المذهب مبتدعة وضالين ووصفهم بوصف قبيح ومؤذي مستدلا بما ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم وما يقتبسه عن تراثه، وانتهت الإجابة بلغة متعالية جدا بأنه يجوز الصلاة خلفهم رغم كل ذلك؛ هنا سألت نفسي سؤالا من الذي أعطى هذا الداعية الحق في أن يختزل كل أتباع هذا المذهب بتلك الكلمات والأوصاف دون النظر في تقواهم وكفاحهم في الحياة وعلاقتهم مع الله سبحانه وتعالى، فوجدت أني أميل سيكلوجيا أن هذا الداعية قام بتلك المقدمة ليؤكد على سلطته الدينية والمذهبية بشكل لا واعي قبل أن يتنازل في إجابته بجواز الصلاة خلفهم، وقد استمد تبرير موضوعية هذه السلطة من كتبه وتراثه الذي يرجع إليه
وفي موقف آخر وجدت أحد الناس يعبر في أحد مواقع التواصل الاجتماعي عن بعض تأملاته وقناعاته الفكرية الدينية دون المساس بأي أحد إلا ما توصلت له نفسه وأفضى إليه بحثه، فإذا بالردود تنهال عليه من صفحات بمعرفاتها الحقيقية لتنال من شخصة وأسرته وخصوصيته دون تأثم أو تحرج، فكان نفس السؤال من أعطى هؤلاء الحق في استمراء الأذى اتجاه هذا الإنسان وعدم وضع اعتبار لإنسانيته وحقوقه؟! فوجدت أن الإجابة لا تختلف سيكولوجيا فهي محاولات لإثبات سلطتهم الدينية مستمدين موضوعيتهم التبريرية من تنظيرات بعض المراجع التي يرجعون إليها
فإن كان المسلمون يطالبون اليوم بحقوقهم الدينية كجزء من حقوق الإنسان فهم أول من يقف أمام هذا الحق بتقديم صورة للعالم بممارسة التمييز والعنف اللفظي ضد إخوانهم في الدين
لابد من وضع إطار ينظم الحق في مناقشة الأفكار والرد عليها وتفنيدها وحتى تبيين خطورة آثارها، دون السماح للنزعات النفسية أن تتضخم فتتجاوز الحدود الإنسانية والحقوقية للإنسان المسلم فيمارس التمييز الذي يناضل ضده دون وعي
الأفكار بطبيعتها متحيزة وربما تتطرف ولكن ليست هي المحرك الأكبر ولكنها هي المبرر للسلوك النفسي المنتهك للحقوق فالمحرك الأقوى لمثل هذا التمييز وجود بيئة نفسية حاضنة لمثل هذا السلوك، فتغيير البيئة يكون بصناعة بيئة أخرى تصنع دوافع أخرى ومحركات أقوى نحو حقوق الإنسان وعدم التمييز ضد المسلمين ولا يكون ذلك إلا بطريقة أكثر تجاوزا للواقع الفكري والتنظيري
ورغم أن المسلمين يعانون من التمييز على أساس الدين في كثير من دول العالم، والحركات المدنية والحقوقية تكافح لمزيد من توفير الإنسانية للمسلم ليمارس دينه ومظاهره بكل أريحية، نحتاج نحن في دولنا لحراك مشابه إنساني وحقوقي من خلال اتفاقيات حقوقية تتجاوز التنظيرات التي فشلت في الإشارة لمنع التمييز ضد المسلم على أساس المذهب أو التوجه في دول الإسلام، فلو رجعنا للاتفاقيات التي قدمتها بعض المنظمات الإسلامية سنجد أنها لم تقدم أي نجاح في هذا الجانب كالبيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام الذي اعتمده المجلس الإسلامي في باريس س 1981 ، وإعلان حقوق الإنسان في الإسلام الذي أجازته منظمة المؤتمر الإسلامي في القاهرة س 1990
ما نحتاجه اليوم هو إعلان لميثاق حقوق الإنسان المسلم تعتمده الحكومات الإسلامية وتوقع على تفاصيله التي تجرم التمييز ضد الإنسان المسلم بناء على مذهبه أو توجهه الفكري وتؤكد على حقه القانوني في ممارسة تدينه دون المساس بحقوق المسلمين الآخرين
لهذا أدعو من هذا المقال العلماء والمفكرين والحقوقيين المسلمين الذين تهمهم كرامة المسلمين وحقهم في الحياة دون التمييز ضدهم أن يقدموا مطالبة جادة لحكومات الدول الإسلامية أن يصيغوا ميثاقا لحقوق الإنسان المسلم في الدول الإسلامية ويعلنوه كميثاق أممي لا يجوز المساس به وأنا أول الموقعين على هذا الطلب.
