خاص ـ شؤون عمانية
ثمّة حكايات مخبأة بإحكام داخل ذاكرتنا، عالقة تأبى أن تضيع في زحام الأفكار واليوميات، تبقى أرواحنا مسكونة بها، وتحن أفئدتنا إلى تفاصيلها التي نشتاق إليها فتسافر بنا عبر الزمن، لتشكل واقعا رمزيا لحياتنا ولو بعد حين.
من بين تلك الحكايات التي نستحضرها في مواقف وأحداث معينة تمر علينا، ذكريات الطفولة في شهر رمضان، وكيف كنا نستقبل هذا الشهر الفضيل، تلك الذكريات التي سنظل نستذكرها ونرويها دوما على مر السنين.
ويروي علي السيفي الشاعر في الفنون الشعبية حكايته مع رمضان زمان، حيث يقول: لقد عرفت قيمة الصيام وأحكامه وشروطه منذ أن كنت صغيرا، بالتحديد عندما كنت أرى أبي وأُمّي وأُخوتي يصومون شهرًا كاملًا مقاومين شعور الجوع والعطش، فضلا عن حديثهم حول صلاة التراويح، وكيفية أداؤها بعد صلاة العشاء (ثلاثة مقامات) مما يعني الإطالة بالصلاة لما بعد فريضة العِشاء، وكذلك بهجة تناول السحور، حين يقاوم كل من في المنزل لذة النوم قبل اذان الفجر، ومن بعده التجهز لأداء فريضة الفجر وصلاتها في المسجد.
ويضيف السيفي: كنت أَجِد أطفال حارتنا الذين يكبروني بثلاثة أعوام، يصومون أيضا، الأمر الذي دفعني لخوض تجربة الصيام بعمر مُبكّر، وأتذكر حين كنت أذهب لأمي وأخبرها عن رغبتي في الصيام وجاوب بالرفض لانها ترى أني لست مؤهلا بعد لتحمّل مشقة الصيام، إلى أن مرت السنوات وأصبحت قادر على ذلك الأمر، فسمحت لي الأُسرة بصيام “التطوّع ” أي أن أصومُ يومًا وأفطر يوم في العام الأول، ثم أصوم الشهر كاملًا في العام الذي يليه، وأتذكر أنني قد صمتُ صيام “التطوّع ” وكنت أشعر بالتعب والإرهاق البدني لكنني كنت أخشى أن ينتشر هذا الأمر بين أقراني من الأطفال في الحارة، وقتها كنت متحمسا لأروي لهم تجربتي في الصيام، حيث كُنّا حينما نشعر بالتعب والارهاق أو الجوع والعطش، نذهب للمشي بين الأفلاج والنخيل لتبرّد على أجسامنا الصغيرة المُتعطّشة للقليل من الماء، فهي أماكن أكثر برودة ولطافة، كما كُنّا في بعض الأحيان الأخرى نذهب للسباحة في بِرك الوادي المنتشرة في قريتنا للتخفيف عن أجسامنا حرارة الجو وشدّة الصيام، فلقد عاصرت أوى سنوات صيامي في فصل الصيف شديد الحرارة.
وحول تغير ملامح الشهر الكريم، يختتم السيفي حديثه بالإشارة الى رؤية هلال رمضان وكيف أصبح الناس ينتظرون الإعلان عن رؤيته في التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، فلم يعد الأمر كالسابق، حين يتحرّى رؤية الهلال بواسطة المُشاهدة بالعين المُجرّدة، كما أن التواصل والتجمعات اليومية أصبحت نادرة الحدوث، فلا تجد الآن هذا التجمع على مائدة بيت أحد الجيران كما كان يحدث سابقا، بجانب كما أن وجود مكيفات الهواء في المنازل، منعت الناس من الخروج ولقاء الأصحاب والأحبة قبل أذان المغرب والتجول بين الحقول والمزارع خاصة من بعد صلاة العصر.
يشاركه الرأي طلال البلوشي وهو من هواة الطقس، حيث يسترجع بذاكرته الأيام الأولى لصيامه شهر رمضان، والتي وصفها بالاستثنائية الجميلة، وما يميزها من آلفة ومحبة وتجمع في البيت الواحد بين الأسرة، مرورا بالزيارات الرائعة للأقارب والأحباب.
ويضيف البلوشي: كنا نفرح كثيرا بقدوم شهر رمضان، عبر التسوق والاعداد للمسابقات والدورات الرمضانية، والاستمتاع بصلاة التراويح، وتجمع شباب حارتنا لتنظيم مباريات دوري كرة القدم، الذي يختتم بإعلان الفائز في المباراة النهائية في ختام أيام الشهر الفضيل وتوزيع الجوائز. ويؤكد البلوشي أن المتعة تكمن بعد منتصف شهر رمضان عندما نبدأ بالاستعداد للتسوق وشراء ملابس العيد والمشتريات الأخرى التي تخصه، وكنا نترقب بشغف لحظة رؤية هلال أول يوم في شوال، لنتبادل فيما بيننا التهاني والتبريكات.
وبنبرة حزينة يختتم البلوشي حديثه بالقول: لقد اندثرت تلك المظاهر وأخذت معها معالم شهر رمضان المبارك، فقلت الزيارات العائلية، وتبادل أطباق الوجبات الرمضانية الخاصة بالفطور بين الجيران والأهل، مع اختفاء صوت المسحراتي، فقد كنا سابقا نسمع صوت النداء للسحور.
مشاعر مختلطة نستقبل بها الشهر الكريم، هو ما يؤكده ثامر الفوري وهو من المهتمين باللغات وصياغة المحتوى الإلكتروني، حيث يوضح: أننا أصبحنا نستقبل شهر رمضان كل عام بمشاعر مختلطة من الفرح والحزن والاشتياق لمن كنّا معهم في السنوات الماضية وممن افتقدناهم من أخوان وأهل وأصدقاء ندعوا لهم بالمغفرة وأن يجمعنا بهم الله عزوجل في جنات الفردوس الأعلى.
ويضيف الفوري: كنا نجتمع مع الأهل في أول يوم من الشهر الفضيل في البيت (العود) ـ بيت كبير العائلة، بعدها تتوالى الزيارات والدعوات لتناول وجبة الإفطار بين الأهل والأصدقاء، كنا نجتمع بالمجلس لأوقات متأخرة من الليل نتبادل الذكريات والحكايات.
وحول اليوم الأول للصيام، يقول الفوري: هو مرحلة استثنائية في حياتي، فقد كانت تغمرني سعادة وفرحة كبيرة، حين أصبحت مؤهلا لأصوم شهر رمضان المبارك، وهو ما يعني أنني أصبحت قادرا على تحمل تبعات الصوم الروحانية.
ويرجع الفوري سبب التغير الذي طرأ على الشهر الفضيل وأُثر سلبا على مباهجه الى قلة التجمعات الشعبية بين الشباب والتي تأتي نتيجة الى الرحيل من القرية إلى المدينة والانشغال بالأمور الدنيوية وقلة الاختلاط، ولقد كنت أتمنى على المستوى الشخصي أن تبقى هذه الروابط للأجيال القادمة كي تظل المحبة والألفة التي عرف بها المجتمع العماني الأصيل.
أما جمعة الشهيمي وهو متابع مميز للرياضة وأخبارها العالمية فيتذكر طفولته في رمضان وبداية صومه هذا الشهر المبارك قائلا: عندما كنا صغارا كان شهر رمضان بالنسبة لنا فرحة وبهجة، وننتظر أيامه بشوق بالغ، ونعمل على الاستعداد له منذ فترة كبيرة، حيث كنا نستعد لتحضير أجواء خاصة تناسب هذا الشهر الكريم بدءا من جدول تلاوة القرآن الكريم وزيارات الأهل والأصحاب، مرورا بممارسة الرياضة خاصة كرة الطائرة، حتى إننا كنا نخصص وقتا لمتابعة التلفاز والبرامج المتنوعة والمسابقات في ظل محدودية القنوات التلفزيونية آنذاك.
يضيف الشهيمي: لقد ذهبت جماليات هذا الشهر الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر، وتغيرت نكهته، فالكل أصبح مشغول بنفسه، التجمعات العائلية والشبابية والجلسات قد ولّت، وهي التي كانت تربطنا بالأحباب والأصحاب وأصبحت تتلاشى عاما تلو الأخر.
كنا نعمد على عمل المفرقعات بشتى أنواعها للاحتفال بقدومه .. هكذا يتذكر الشاعر أنور الراسبي طفولته في شهر رمضان ويقول: كنا نتلهف لقدوم الشهر المبارك ورؤية هلاله، حيث نعمل المفرقعات بشتى أنواعها، ونقوم بتوصيل الوجبات قبل الإفطار ونتزاحم لأداء صلاة التراويح. لكن كل شيء تغير الآن لقد تبدلت أحوال الشهر الفضيل وعاداته الجميلة، وهو أمر أراه طبيعي وفق متغيرات الحياة وعصريتها، فطريقة الاستقبال للشهر تغيرت ولم تكن كالسابق، كما تغيرت هيئة رؤية واستطلاع هلال الشهر الفضيل، وتقلصت الزيارات وموائد الإفطار، وأظن أن السبب هو انكفاء الناس في بيوتها جراء التطور المعيشي من وجود التكنولوجيا الحديثة للاتصال وغيرها.
ويختتم الراسبي حديثه بالقول:” لكن يبقى شهر رمضان متميز بالعبادة والطاعة والطمأنينة وروح المساعدة المجتمعية، وما يطرأ من تغيير لعله يكون نجاح في تطوير التعامل بين أفراد المجتمع وتقاربهم لبعض.
