أحمد بن ناصر الراشدي
نحن مقبلون على موسم للانتخابات، سواء الانتخابات البرلمانية أو انتخابات المجالس البلدية أو الأندية أو غيرها من المؤسسات. والترشيح والترشح حق أصيل من حقوق الإنسان نصت عليه القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية، والمشاركة في الانتخابات واجب وطني، هذا ما نعلمه ونعلّمه لأطفالنا مستقبلا من أجل بناء جيل يؤمن بثقافة التغيير، فالانتخابات تنمى إحساس الفرد بذاته ووعيه السياسي في المجتمع الذي يعيش فيه، وتربى وتنمي انتمائه لوطنه وتحمله لمسئولياته تجاه مجتمعه.
نصت المواثيق الدولية والتشريعات المحلية في مواضع كثيرة على حق الترشيح والترشح، فالعهد الدولي المعني بالحقوق المدنية والسياسية نص في مادته رقم 15 على أن لكل مواطن الحق والفرصة بدون تمييز وقيود غير معقولة في:
المشاركة في أعمال الشؤون العامة بشكل مباشر من خلال ممثلين يتم اختيارهم بحرية.
التصويت والترشح في انتخابات دورية عامة ونزيهة من خلال اقتراع سري تتوفر فيه ضمانات حرية اختيار للناخبين.
الوصول إلى الخدمات العامة في الوطن على أساس من المساواة.
كذلك لم تغفل اتفاقية مكافحة جميع أشكال التمييز العنصري هذا الحق، وأفردت له مادة خاصة به، حيث نصت المادة رقم 5 من هذه الاتفاقية أنه على الدول الأعضاء منع وإزالة التمييز العنصري بكل أشكاله، وضمان حق كل فرد بدون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصول الوطنية والعرقية في المساواة أمام القانون وخصوصا في الحقوق التالية: “الحقوق السياسية، وخصوصا الحق في المشاركة في الانتخابات بالتصويت أو الترشح وفق اقتراع عادل وشامل، والمشاركة في الحكومة وقضايا الشؤون العامة في كل مستوياتها والحق في الوصول إلى الخدمات العامة بشكل متساو”.
وتعتبر المشاركة المجتمعية قيمة مهمة من قيم المواطنة التي ينبغي على الفرد التحلي بها، لذلك فإن المشاركة في الانتخابات بشتى صورها مطلب وطني مهم جدا لا ينبغي التخلف عنه، خلاف الدعوات التي يطلقها البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي تثبط من المشاركة في الانتخابات لسبب أو لآخر.
وهذا بطبيعة الحال يتنافى مع مفهوم المواطنة وهو المشاركة المجتمعية والسعي إلى بناء الوطن وتنميته بالطريقة السليمة. فمتى ما كان هناك عزوف عن هذه الانتخابات كانت هناك فرصة لوجود أعضاء غير أكفاء تحت قبة المجالس المنتخبة لا يستطيعون بذلك خلق وإيجاد وتنفيذ صلاحياتهم على أكمل وجه.
والدعوة إلى العزوف عن المشاركة في انتخابات مجلس الشورى أمر في غاية الخطورة، لأنه من الممكن أن نرى بعض المترشحين يسعون إلى تجميع أكبر قدر من الأصوات بطرق مختلفة لا تمت للاستحقاق بصلة، وبطبيعة الحال فإن وجود مثل هؤلاء تحت قبة المجالس الانتخابية لا يخدم الوطن ولا المواطن، ونكون بفعلنا هذا قد أسهمنا في ضعف التمثيل الذي يسعى المجتمع إلى تطويره وتقوية صلاحياته، وكما يقول المثل “ما بُني على باطل فهو باطل” لذلك لابد أن نقول بأن صوتك أمانة.
وهناك معادلة وطنية مهمة يجب الوقوف عليها وتوضيحها لكي يعي الناس أهمية حسن واختيار مرشحهم في الانتخابات القادمة، وهي أن الدولة لا ترتقي ولا تتطور إلا برقي وتطور سلطاتها الثلاث (السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية) وأيضا العمل في هذه السلطات لن يحقق صلاح وتطور دولة ما إلا بالعمل بطريقة تصاعدية مهنية بالتوازي فيما بينها، وبطبيعة الحال لن تتصاعد أو تتطور أي سلطة إلا من خلال وجود ممثلين أكفاء قادرين على العمل بكل تفانٍ كل حسب اختصاصه ومهامه الوظيفية التي أوكلت له، لذلك لابد لنا من اختيار من نراه مناسبا بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى لكي نستطيع بذلك ضمان على أقل تقدير حسن سير العمل في السلطة التشريعية التي تعتبر ركيزة أساسية من ركائز الدولة والتي بدورها تعمل على تنفيذ الدور الرقابي على السلطة التنفيذية والعمل بشكل متوازي في رفع شأن الدولة وتطويرها بالشراكة مع السلطة القضائية، لذلك لابد أن نعي بأن صوتك أمانة.
وعلى كل ناخب أن يضع هذين السؤالين نصب عينيه وهو يتوجه إلى صندوق الاقتراع: من الشخص الجدير الذي يستطيع ممارسة دوره كعضو وماذا بإمكانه أن يضيف في الموقع الذي انتخب له؟، وإذا حددنا إجابتي هذين السؤالين ونحن نمسك بورقة اختيار المترشح سندرك تماما مدى الأمانة التي نحملها تجاه عمان أولاً وتجاه أنفسنا ثانيا، لذلك لابد أن ندرك حجم الأمانة التي نحملها في أصواتنا.
لذلك لابد أن نربي أولادنا على ثقافة الانتخابات وحسن اختيار المرشح، لأنهم سيمارسون هذا الحق عندما يقومون باختيار عريفا للصف، ثم سيكبر معهم هذا الحق لينتخبوا بعدها ممثلهم في الملعب ثم النادي ثم ممثلهم في مجلس الشورى والمجلس البلدي وحقهم كذلك في اختيار من يرونه مناسبا في مؤسسات المجتمع المدني، وغيرها من المجالس المنتخبة، ولابد أن نزرع فيهم آلية التجرد من أي علاقات اجتماعية أو قبلية وأن يضعوا نصب أعينهم الكفاءة والكفاءة فقط.
وفي الختام لابد أن نتساءل: هل ما نشاهده في الطرقات العامة من إعلانات للمترشحين تعتبر مناظر جيدة وناجحة وتحقق الهدف من وجودها في التعريف بالناخب من خلال إطلاق بعض الشعارات في هذه اللوحات، أم أصبحت هذه اللوحات التعريفية بالناخب عبارة عن تلوث بصري؟ نترك الحكم لكم وتأكدوا دائما أن صوتي أمانة ولن أبيعه، هذا حقي وسأمنحه لمن يستحق.
وأخيرا وليس آخرا، بالأمس القريب رعى معالي السيد وزير الداخلية إطلاق تطبيق “انتخب” للتصويت الإلكتروني لانتخابات أعضاء المجالس البلدية، فكيف ستتم مراقبة نزاهة هذه الانتخابات؟ وكيف سيقوم كبار السن باستخدام حقهم الانتخابي وهم لا يجيدون استخدام التقنيات الحديثة؟.. آمل أن تكون وزارة الداخلية لديها هذه الإجابات.
