سالمة بنت هلال الراسبية
كانت تجربتي للعمل ضمن فريق المتطوعين لتنظيم كأس العالم 2022م في قطر مميزة، لم أكن أتوقع أنني سأمضي وقتا رائعا في هذه التجربة الفريدة من نوعها، فبعد أن وصلتني الدعوة للانضمام لفريق المتطوعين لم أتردد في ذلك.
بعد التسجيل في أول خطوات القبول للانضمام في عضوية منظمة الفيفا والتي تشرف على فرق المتطوعين بجانب اللجنة العليا للمشاريع والإرث القطرية، جاءني اتصال هاتفي من دول قطر الشقيقة، وطرح عددا من الأسئلة المتعلقة بالعمل التطوعي وماهي فكرتي حوله وتجاربي في الأعمال التي تتطلب تنظيما وجاهزية مستمرة، وبعد أن أغلقت الهاتف شعرت بالفرح والبهجة حقيقة، حيث قلت في نفسي حتى ولو لم أقبل ضمن الفريق، المهم أن تكتب لي النية في العمل التطوعي وشعرت بانشراح الصدر والسرور.
كيف لا أفرح والعمل التطوعي هو أعلى مراتب العطاء، خاصة إذا كان في دولة شقيقة كدولة قطر، وبعدها وصلتني رسائل متتالية عبر البريد الإلكتروني من منظمة الفيفا، تتضمن أسئلة وتوجيهات لقبول الدور ومكانه، بعدها خضت اختبارات وعددها 23 اختبارا باللغة الإنجليزية لصقل المهارات اللازمة والإلمام المعرفي بكيفية حل المشكلات التي قد تواجه الأعضاء في تنظيم الجماهير، فكانت المهام تحتاج لصبر وسرعة بديهة والتزام بالنظام، ثم تم انضمامي للفريق الرسمي للمتطوعين العمانيين، تم تحديد أوقات السفر ومكان السكن حيث كان السكن في براحة الجنوب، وهو مجمع سكني ضخم في مدينة الوكرة يحتوي على وحدات سكنية ومسجدين ومركزي تسوق، كما يضم عيادة ومطعما وصيدليات ومحلات تجارية صغيرة تحتوي على أغلب احتياجات المتطوعين والمشجعين من أغلب دول العالم.
بعد وصولنا بيوم، تم دعوتنا للحضور إلى مركز الدوحة للمعارض والذي يضم مركز المتطوعين، تسلمنا اللباس الرسمي والتصريح الرسمي بعد اعتمادنا كأعضاء متطوعين في منظمة الفيفا لتنظيم كأس العالم في قطر للعام 2022م، وما زاد إعجابي بالعمل هو ترك لنا الحرية للبس العباءة لمن تريد ذلك، وهذا يشعرك بالفخر حيث أن الحشمة والستر من أصول الدين ومن أهم المرتكزات المجتمعية للهوية القطرية والخليجين بشكل عام، فكان اختياري للبس العباءة السوداء والاعتماد الرسمي أو التصريح.
كانت أيام العمل في استاد البيت الذي يتميز بتصميمه المستلهم من الخيمة البدوية العربية التقليدية، ويتميز بسقفه القابل للسحب، وهو على بعد 35 كيلو من العاصمة الدوحة، وكان للعمل التطوعي نكهة خاصة في استاد البيت- وهو أبعد استاد رياضي عن سكن المتطوعين- حيث أن الوصول إليه من المجمع السكني (براحة الجنوب) يحتاج عبر الحافلات المباشرة يستغرق حوالي الساعة والنصف أو أقل بقليل، ولكننا لا نشعر بالملل فالحافلات مكيفة وتحتوي على شواحن للهواتف وشبكة واي فاي مجانية، كما أن المتطوعين من جميع بقاع المعمورة عددهم كبير ويتم توزيعهم حسب أدوارهم وأماكنهم في الاستاد، للقيام بدور التنظيم والتوجيه للجماهير.
يتخلل العمل في الاستاد الحصول على وجبة مجانية وهدايا بعد كل شفت تقوم به، العمل كان منظما ومرتبا ويعتمد على آلية رقمية وهي الكود الموجود في الاعتماد الرسمي للمتطوعين، ويصل إيميل من منظمة الفيفا قبل الدور وبعده لتقدم لك التهنئة أو للتذكير بالدور الذي تقوم به.
ولأن بين يوم العمل والآخر إجازة مدة يوم، كنا نقوم بعمل جولات سريعة على أسواق قطر ومؤسساتها العريقة، كمكتبة قطر الوطنية وزيارة جامعة قطر، كما أن الزائر لقطر لن يمر دون التجوال مع عائلته على الكورنيش ومدينة لوسيل وقطر مول وفيلاجيو مول الذي يعد قطعة فنية متماشيا مع نمط البناء لمدينة البندقية في إيطاليا، حيث إن القناة المائية تتوسط المباني الشاهقة وتعكس مياهها أضواء البندقية وأزقتها. أما أسعار المواد التموينية وغيرها من المواد الاستهلاكية اليومية فهي تقريبا نفس الأسعار المتعارف عليها بل وأقل في أغلب المواد، كما لفت انتباهي الاهتمام بالنظافة للمرافق العامة ووجود مصليات في أغلب المباني سواء أسواق أو مؤسسات عامة أو خاصة وفي قمة الجمال والترتيب.
ولحاملي بطاقة هيا من جميع دول العالم إمكانية الوصول للمترو والتنقل عبر محطاته المختلفة بالمجان، كما أن الباصات تقل الركاب قبل المترو وبعده، وهناك عدد كبير من المنظمين الذين يشرفون على حركة قوافل الحافلات بشكل مرتب بالدقيقة والثانية. العمل مبهر والجماهير تتحرك بكل أريحية وتنظيم لافت وقد لاحظت مشاعر التقدير والامتنان تظهر على وجوههم.
بعد القيام بواجبي كمتطوعة عدت إلى الوطن وكنت أشعر بإحساس غريب- رغم أني قد زرت العديد من الدول- ولكن لا أنكر أنني عندما غادرت دولة قطر شعرت وكأني تركت وطني!! أقلعت الطائرة ثم انهمرت تلك الدموع المخبأة حزنا واشتياقا.
حقيقة، أي شخص زار قطر لن يستكفي بهذه المرة الواحدة، بل سيطمح لتكرار تلك الزيارات في مناسبات أخرى.
