أحمد الراشدي
قد يكون مصطلح حرية الدين من المواضيع التي يتجنب البعض الحديث عنها، لكن من المهم جدا توضيح موقف الدول من هذه الحريات، وبالأخص سلطنة عمان، حيث تتميز السلطنة بحكم موقعها الجغرافي المتميز وتاريخها العريق بتعدد الثقافات، وكذلك تعدد أصول السكان ومذاهبهم وغير ذلك من الأمور.
وحرصا من المشرع العماني على مبدأ المساواة بين الأفراد وعدم التمييز لأي سبب، فقد أقر هذه الحماية كمبدأ دستوري طبقا لحكم المادة رقم (21) من النظام الأساسي للدولة، والتي نصت على أن: “المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تميـيز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغـة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي”.
وباعتبار أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات حسبما أشارت إليه المادة أعلاه، فإن مصطلح “الأقليات” غير متداول من قبل الدولة أو المؤسسات التابعة لها للإشارة إلى المجتمعات ذات الأصول أو الديانات أو اللغات المختلفة المتعايشة مع بعضها البعض في سلطنة عمان، لذلك فإن المجتمع ينبذ جميع المسميات التي من شأنها أن تشير إلى أي شكل من أشكال التمييز.
وتأكيدا على ذلك، وفي الإطار الدولي فقد انضمت سلطنة عمان إلى “الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري” بموجب المرسوم السلطاني رقم (87/2002)، والتي تضمنت أحكامها بشكل مباشر القضاء على كافة أشكال التميز في مثل هذه المواضيع.
وكذلك فإن النظام القانوني الوطني يحظر التمييز على أساس الدين ويحمي حق الأفراد في ممارسة كافة أنواع وأشكال الشعائر الدينية، طالما أن ذلك لا يخل بالنظام العام أو الأخلاق، بالرغم من أن النظام الأساسي للدولة ينص على أن الإسلام هو دين الدولة وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر جميع التشريعات.
وتتضمن أبواب النظام الأساسي للدولة ومواده ما يكفل ممارسة الحريات الدينية للمواطنين والمقيمين في إطار القانون، فضلا عن كفالة توفر دور العبادة وممارسة الشعائر لغير المسلمين كالمعابد والكنائس وفقا لنص المادة (34) منه: “حرية القيام بالشعائر الدينية طبقا للعادات المرعية مصونة على ألا يخل ذلك بالنظام العام، أو ينافي الآداب”.
علاوة إلى ذلك، فقد كفل المشرع العماني التعايش المذهبي بين جميع المذاهب، وتفرض الدولة العقوبات على كل من يحاول أن ينشر المذهبية والطائفية.
والجدير بالذكر أن المساجد الخاصة بمختلف المذاهب تنتشر في سلطنة عمان، وكذلك المسلم في السلطنة يستطيع أن يصلّي في أي مسجد، ووراء أيّ إمام دون النظر إلى مذهبه.
ومراعاة لهذا الحق جاءت المادة رقم (108) من قانون الجزاء العماني صريحة على أن: “يعاقــب بالسجــن مــدة لا تقل عن ثلاث سنوات، ولا تزيد على عشر سنــوات كــل مــن روج لما يثيـــر النعـــرات أو الفتـــن الدينيـــة أو المذهبية، أو أثـــار مـا مــن شأنـــه الشعور بالكراهية أو البغضاء أو الفرقة بين سكان البلاد، أو حرض على ذلك”.
كما حرصت التشريعات العمانية على ضمان دمج جميع الأفراد بمختلف أصولهم ومذاهبهم في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون تمييز، وقد تُرجم هذا التعايش والاحترام إلى مبادئ وقيم متحققة على أرض الواقع، وذلك من خلال إقرار القوانين والتشريعات الوطنية على حماية حقوق الأفراد والجماعات من مختلف الأصول واللغات والديانات في جميع مجالات الحياة، وتشمل: (التعليمية، والصحية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية)، ولا يشار إليهم بالأقليات أو أي مسميات أخرى باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من تكوين المجتمع العماني، ويساهمون جنباً إلى جنب في بناء الدولة.
وفي نفس الوقت، تقوم وزارة التنمية الاجتماعية من خلال ممارسة اختصاصاتها المنوطة بها بموجب القوانين السارية، بإصدار اللوائح والقرارات المنظمة لعمل أندية الجاليات في سلطنة عمان وهي مؤسسات اجتماعية تتألف من عدة أشخاص غير عمانيين يتشاركون الأصل القومي أو الموطن، وتسعى هذه الأندية إلى خلق جو من التآلف والتعايش والتعاون بين أعضائها من خلال عدة نشاطات مجتمعية، حيث تسهم هذه الأندية في ضمان حقوق المقيمين على أرض سلطنة عمان من النواحي الاجتماعية والثقافية والترفيهية.
