“المسافة التالية”.. إصدار جديد يتأمل تجارب الحياة المختلفة

العمانية- شؤون عمانية

تنطوي القصائد النبطية في مجموعة “المسافة التالية” للشاعرة العُمانية هديل الغيلانية على بوح عميق يتأمل تجارب الحياة المختلفة، ويستجلي المشاعر الإنسانية التي تثيرها في النفس البشرية، وليس بالضرورة أن تتصل تلك التجارب بالواقع وأن تكون حدثت بالفعل، فقد يندرج الأمر تحت فكرة “الشاعر يعيش الفكرة ليكتبها كتجربة” كما توضح الشاعرة في مستهل المجموعة.

وتقدم الغيلانية مجموعتها التي تمثل إصدارها الأول، بإهداء رقيق من الشعر، يحمل جزؤه الأول عنوان “أبوي” وتقول فيه: “ألا يــا عـزّة طموحي وقـوة منّــها أكبر، وطيبة في معانيها تطمّنّي على أيامي، بك الأيام تتبسم، أشد بعزمها وأصبر، إلين بوقفتك يمّي أحقق أجمل أحلامي”.

أما الجزء الآخر فبعنوان “أمي”، ونقرأ فيه: “فيض إحساسك، غمر كوني أمان، وصارت الدنيا بعطرك ماطرة، دام قلبك ممتلي حب وأمان، ما غريب إن جات بنتك شاعرة”.

وتتكون المجموعة الصادرة ضمن منشورات الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء بالتعاون مع “الآن ناشرون وموزعون” من ثلاث وثلاثين قصيدة شعبية، بالإضافة إلى قصائد الاستراحة غير المعنونة.

 

وحظيت المجموعة بتقديم من الشاعرة والناقدة د. سعيدة بنت خاطر الفارسية، اتخذ صيغة القراءة النقدية وحمل عنوان “محطات المسافة وأبعادها في قصائد هديل الغيلانية”.

وتوضح الفارسية في التقديم أن الشاعرة نجحت في توظيف لغة خدمت توجه المجموعة وعنوانها، مع تخيُّر المفردات الدالة على معجم يضج بالحركة، كالارتحال، والمشي، والانتقال، والمد، والجزر، والغياب، والحضور، والمفارقة، واللقاء، والبعد، والدروب، والرصيف، والشارع، والمجاديف، إضافة إلى تكرار مفردة “المسافة” و”المسافات التالية”، وهي مفردات “لا يمكن أن تأتي عرضية بكل هذا التكثيف، إنها بلا شك كلمات مقصودة، ووجّهتها الشاعرة التوجيه الذي يخدم رؤيتها الشعرية الواضحة”.

ومن حيث البناء النصي، ترى الفارسية أن لغة المجموعة تنمّ عن الحوار بين الأشخاص، خاصة مع الحبيب، لكن القارئ يكتشف أن الشاعرة تتحاور مع ذاتها، وأن معظم مسافات الرحلة والارتحال داخلية نفسية تخاطب بها الشاعرة نفسها ضمن صوت واحد (مونولوج) مع اختفاء شبه تام للحوار الخارجي (الديالوج).

وتشير الفارسية إلى أن القارئ يخيَّل له من المشهد أن هناك حوارًا بين عاشقين، والحق أنه لا يوجد سوى صوت الشاعرة، كما في هذه الدفقة: “التفتنا، نحتفظ بعض الملامح، عن يكون الجاي مالح، ويا حكينا، كيف كان الصمت جارح!، والسوالف، بالنظر كانت تصارح، راحت اللحظة علينا، وما درينا!”.

وبالإضافة إلى تناولها معجم الشاعرة الغني بالحركة والحوار، تتوقف الفارسية عند “التقاطات مدهشة للصورة” في القصائد، الأمر الذي يُشعر القارئ بطزاجة الصورة وتجدُّدها؛ فالشّاعرة مجدِّدة، والصُّور من وحي خيالها الخصب؛ لا تقليديّة ولا مستهلَكة، ولا نمطية ولا مباشرة، بل هي صورٌ خاصّة بصاحبتها، تمهرها ببصمتها، وهنا تكمن الشاعريّة: “انكسر ظهر الوعود، الراحلة فصحراء جفاك، ووقفت فيني الأماني في أراضي قاحلة”.

وإلى جانب تفوق الغيلانية في التقاط الصورة البيانية المختلفة من استعارات وتشبيه وكنايات في القصيدة العمودية، ترى الفارسية أنها تفوقت أيضًا في تشكيل الصورة الممتدة التي تلتقطها من خلال مقاطع قصيدة التفعيلة: “أنا اللي لو تفارقها، بقى طيفك ملاصقها، معا كل صبح نتصادف، على شفاه الشمس تنباس، كأن النور بك حالف، يجيبك في كلام الناس، على كلمة (صباح الخير)”.

تزاوج الشاعرة بين موسيقى الشعر العمودي حيث نظام البيت ذي الشطرين المتساويين ونظام التفعيلة، وهي تبدو في كليهما شاعرة مجيدة فيما يتصل بدقة الأوزان وصحتها.