أحمد الحضرمي
ــــــــــــ
فالأرض من بِشرها بالخيرِ ناطقةٌ
اللفظ خضرتها والزهر مبناها
الخصب في أرضِها تبدو خمائله
عرائسًا يُفتِن الأبصار مَرآها*
في الأحداث دائمًا دروس عميقة، وفي مشاهدها تتجلى الدلالات بشكل أعمق حتى تصبح منارًا يُستضاء به، وهكذا تماهى المشهد في الزيارة السامية لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه ورعاه إلى ألمانيا في الفترة ١٣-١٥ يوليو ٢٠٢٢م لتُدشن مرحلة أخرى تَبني على ما قبلها بما يتسق والمتطلبات والأولويات في خضم أوضاع عالمية وإقليمية مُعقدة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا.
ولعلي هنا لن أتحدث عن البروتوكولات السلطانية، ولا عن عظمة الاستقبال الحافل الذي حظيَ به المقام السامي والوفد المرافق له من كبار المسؤلين الألمان، لأن ذلك مقام سلطنة عُمان وقادتها أينما حَلّوا وارتحلوا، وهو جوهر النهضة والأصالة الممتدة منذ الملوك والأئمة؛ فالمؤسس الإمام أحمد بن سعيد حتى الخالد في الوجدان قابوس الذي توسّم في هيثم سلطانًا معظمًا؛ فحوى عُمان بترابها وتِبرها، بتأريخها وحاضرها، بشموخها وعِزها، وبالرباط المقدس بين العماني وأرضه، ما يجعل المُستقبل دائم الإشراق، زاكي السيرة والسريرة.. وقَدْ حاز ما ذُكِر آنفًا من التداول ما يستحق ببهجة وغبطة بين كل العمانيين من أقصى البلاد إلى أقصاها، ونال من التحليل والتقييم المُنصِف ما يُعبر عن عُمان وأصالتها وقيمها باعتبارها هويّة بارزة كعادتها ولا يوجد ما يُشبهها.
إنّ استقراء الزيارة السامية يُنبئ من اللحظة الأولى أن التخطيط لها تمّ بشكل مدروس بما يكفل تحقيق الغايات الأسمى والأهداف الجُلّى المتمثلة في عُمان وحدها وبما يكفل توجيه نتائجها للتنويع الاقتصادي وتحفيز الاستثمار والاستفادة القصوى من مكنونات الأرض العمانية الطيبة بتخطيطٍ مُنتقى وسليم، وتناغم وانسجام بين حاجة السوق الألماني والعماني.
ولا ريب أن صناعة القدوة وتجذيرها منهجٌ مهم وعظيم في بناء الأمم، وما تأتّى لهذا الوطن من خير وتسامح وأمن وثبات واستقرار إلا من خلال القدوة الحسنة، وهذا ما بَدَا شاخصًا حين التقى جلالة السلطان المعظم حفظه الله شخصيًا بمقر إقامته في برلين بعددٍ من رجال الأعمال الألمان ورؤساء تنفيذيين لشركات ألمانية وممثّليها في مختلف المجالات، ويُدلل وبشكلٍ يدعو للفخر والتفاؤل على حرص جلالته الشديد على توجيه مضامين الزيارة من أجل عُمان ورفعتها، وبهدف رفع مستوى العلاقات التجارية وتعزيز الفرص الاستثمارية والتشاور السياسي في مختلف الملفات ذات الاهتمام بين البلدين، ويُجسِّد تحقيقًا للوعد الذي أطلقه سلطاننا المفدى في خطابه الثاني بتاريخ ٢٣ فبراير ٢٠٢٠م، وتؤكد مضامينه السامية أنه بذات نفسه يقود نهضة متجددة عمادها العمل، وتحفيز الاقتصاد، وتبسيط إجراءات الاستثمار، وحوكمة الأداء، وتعزيز التنويع المالي وتوجيه الموارد وإدارتها بكفاءة، وكل ذلك يساند تنفيذ رؤية عُمان٢٠٤٠ ومحاورها الثلاث: “الإنسان والمجتمع” و”الاقتصاد والتنمية” و”الحوكمة والأداء المؤسسي”، “بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين على أعتاب مرحلة مهمة من مراحل التنمية والبناء في عمان” والتي يُرجى بتوفيقٍ مِن الله أنْ تصب في خير هذا الوطن العزيز وشعبه الكرام الأوفياء.
وكم تُخامر كل عماني الغبطة أنْ تلقَى الزيارة السامية تفاعلًا دوليًا وإقليميًا ملحوظًا، حيث جاءت في توقيت صعب ومعقد للغاية سيما في القارة الأوروبية ولاسيما ألمانيا التي تسعى أن تجد الوسائل المناسبة لديمومة اقتصادها القوي، وأن تجد لها الوسيط النزيه الداعم لقضايا السلام الذي تعرف أوروبا أهميته ولا حاجة للدخول في التفاصيل، ولذلك دلالات في متونهنّ جلاء الشك والرِّيَب عن أن سلطنة عُمان يُحسب لها كأهم داعمي الأمن والسِّلم الدوليّيْن، والأمر ليس وليد اللحظة؛ بل هو نتاج عمل طويل مستقر في عالم يموج بالصراعات والأحلاف الضيقة، وهو ما أدركته الأمة العمانية الواضح في نهجها القويم وبناءها الصلب الذي لا يقف عند المسميات أو الشخوص .. وسياستنا الخارجية لا تتزعزع، صادقةٌ خالصةٌ، والأيادي ممتدة وعلى مسافة واحدة من الجميع، والتاريخ العماني شاهدٌ بذلك ولا يتغيّر، وباقٍ كإرثٍ عظيم تُسر به الأجيال العمانية، والأمس .. والغد .. وكل يدٍ تبني عُمان لها كل التقدير والامتنان.
مسقط
١٦ ذو الحجة ١٤٤٣هـ
١٥ يــــــــوليو ٢٠٢٢م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأبيات للشاعر عبدالله الطائي..
