د. معمّر بن علي التوبي
باحث وأكاديمي عماني
معارفنا نسبية، ونسبيتها تنطلق من مبدأ أنّ المعارفَ تحددها أدواتها؛ ونحن حينها بما فيه أفكارنا وأشياؤنا نتاج معارفنا الحالية. تحوي نسبية المعرفة معرفتنا الحالية بالعلوم التي لا يمكن أنْ نصلَ بها إلى حتمية تامة في تفسير الوجود؛ فقوانين الوجود الحالية ومنها القوانين الفيزيائية الكلية الأربع كانت في زمن غابر قبل قرون عدة لا يوجد لها وجود، فمبلغ علم أهل ذاك الزمان هو فيزياء (منطق) أرسطو حتى جاءت ثورة كوبرنيكوس، ثم جاليليو جاليلى بثورته التي تحدّت المنطق الأرسطي السائد وقاومت كل الرفض والإنكار من قبل أهل زمانها لتعبْر بسلام ويكتمل مشروعها الكلاسيكي في عهد نيوتن الذي قاد ثورة الفيزياء الكلاسيكية لتبدأ مرحلة علمية جديدة تؤسس لمبدأ الكون والمعرفة الحتمية والمطلقة، إلّا أنّ العقل الإنساني بفطرته الشكيَّة قاوم هذه الحتمية المعرفية ووجد أن استمرارية المعرفة والاكتشاف لا تتم دون التساؤل المستمر المبني على نسبية الأشياء التي لا ترى حدًا للمعرفة بل ترى أنّ كلَ القوانين الكونية آيلة إلى التحديث والتطوير؛ فنسبية الإدراك العقلي لا يمكن لها أنْ تعي مطلق جوهر الأشياء (الوجود).
لنأخذ مثلًا عالَم الذرات الذي فشلت الفيزياء الكلاسيكية في تفسيره بل في تحديد أي وجود له؛ ليُستدل بواسطة الفيزياء الكلاسيكية أنْ لا وجود للذرات بل حتى للمادة؛ لتبدأ مرحلة جديدة من التأسيس الفلسفي العلمي الذي في خضمّه شكك بعضهم في وجود الذرات، وعلى رأس هؤلاء المشككين الفيلسوف الفيزيائي النمساوي إرنست ماخ الذي مهّد في المقابل لمبدأ النسبية، وهناك من آمن بوجود الذرات؛ لتحسم المسألة لاحقا في حقيقة وجود الذرات التي قادت لاكتشاف قوانين الحرارة، ومن هنا نشأت الحاجة لإيجاد نظرية جديدة يمكن لها تفسير العالَم الذري وما تحته؛ فكانت فيزياء الكوانتم التي استطاعت أنْ تتحرر من القوانين الكلاسيكية الضيّقة، وتفتح المجال لمرحلة علمية حديثة بواسطتها فُسِّرَت الجزيئات والذرات وما هو أبعد من ذلك؛ لتؤسس لنا عصر الإلكترونيات الذي لا يزال يلعب دورًا بارزًا في حياتنا كلها.
هذا كله قاد إلى مبدأ فلسفي مهم وهو لا حتمية في العلوم وقوانينها بل هناك نسبية تتخذ من الشك والتساؤل المستمر حلقات مفقودة لا تكتفي بالحلقات الموجودة، ومنها نرى أيضا انبثاق ثورة الفيزياء الحديثة التي تُوّجت بنسبية اينشتاين وفيزياء الكوانتم، إلّا أنّ هذه النظريات التي اكتمل مشروعها الرياضي ولكن لا نجد لها تفسيرًا فيزيائيًا حتميًا ونهائيًا؛ فبدءًا من عدم قدرة فيزياء الكوانتم في تفسير قانون الجاذبية وفقًا لنظرية النسبية العامة، وكذلك الغموض الذي جانب فهم مبدأ اللاتحديد أو مبدأ الشك لهايزنبرج (Heisenberg Uncertainty Principle ) في تفسير مكان وسرعة الجسيم في الحالة تحت الذرية، وظاهرة انهيار الدالة الموجية (Wave Function Collapse) في الفيزياء الكوانتمية وصولًا إلى نتيجة صادمة تكاد تهدم المنطق العلمي السائد وهي اهتزاز مبدأ السببية في عالم الكوانتم.
نحن اليوم أمام تساؤلات مشروعة تنقلنا من مدراكنا المعرفية السابقة والحالية إلى مدارك معرفية أكثر اتساعًا وعمقًا، وفي الوقت نفسه أكثر ذهولًا وغرابة، وهذه التساؤلات مهما كَثُرت وتكررت فهي كفيلة بأن تكون مقدمات لاكتشافات علمية جديدة قد تزلزل قوانين العلم الحالية التي لا أرى من الواجب أن يجعل منها البعض بأدواتها ونظرياتها قوانينَ حتمية مقدّسة لا تقبل النقاش. مثال هذه التساؤلات حقيقة وجود بعض الفرضيات العلمية مثل السفر عبر الزمن والعوالم المتوازية (التي لا يُرى لها وجود فيزيائي حتى يومنا) أو حتى ظواهر (لا يمكن إنكار وجودها بشكل مطلق) مثل الرؤى والتخاطر والسحر والحسد التي تباين الحكم عليها فهي عند البعض حقائق مطلقة سواء بكل ما تحويه من خرافات مبالغ بها تجمدت بسببها العقول وتأخرت الأمم، أو بما هو معقول منها الذي كان سببًا في فتح باب التساؤلات ومحاولة إقحام العلم في تأويلها، وعند البعض الآخر فهي (بالكلّية) مجرد أوهام وخرافات، وهذا الحكم جاء إما لمنطلقات عقلية وكلامية، وإما لمنطلقات علمية تعتمد في جلّها على مبدأ الحتمية المعرفية التي ترى أنْ لا وجود لظواهر لا يملك العلم قدرة في تفسيرها، ولهذا سارع البعض إما بركنِها في خانة الماورائيات أو حتى دحض حقيقة وجودها، وهذا التوجّه الأخير أراه أحدث خللًا في المسيرة العلمية التي لا تتطور دون بلوغ الشك والبحث المتواصل مع نسبية العلم وقوانينه، وهذا ما أنا بصدد مواجهته ومحاولة التأقلم معه من خلال التخلي عن المعرفة الحتمية التي تعوق تقدمي في البحث المعرفي باسم الالتزام المطلق بقوانين العلم الحالية. دعوتي هذه لا تنطلق من منطلق البحث عن مبررات للتمرّد على العلم وقوانينه أو لقبول الخرافة وما هو غير علمي بل هي دعوة إلى إعمال العقل وفرض التساؤل المستمر وتحديث أدواتنا المعرفية التي تعيننا على مواصلة البحث والاكتشاف وعدم التقهقر لمجرد أنّ العلمَ وأدواته الحالية لا تملك جوابًا وتفسيرًا شافيًا وكافيًا -على الأقل في وقتنا الحالي- فهذا منهج أقرب ما يمكنني وصفه بالجمود العلمي ومجرد محاولة للبحث عن مصوغات ومبررات واهية باسم العلم.
