منى بنت سالم المعولية
يقاس تقدم الأمم بقياس تقدم النظام الصحي فيها، ولايخفى على مدى التاريخ ارتباط هذا النظام بالاستقرار السياسي لهذه الأمم، فحيث إن الاستقرار الصحي ينعكس على الاستقرار الاقتصادي مما يؤثر على النمط السياسي لكل دولة، فالأنظمة الصحية والتعليمية قد ترفع نظام أو تسقط أخر، حيث يعد قطاع الرعاية الصحية عاملا أساسيا في تنمية القوى البشرية الوطنية ولكي تخلق مجتمعا منتجا عليك بتنظيم الأولويات وأول هذه الأولويات على الاطلاق هي صحة أفراد الوطن.
لقد أثبتت التجارب والظروف التي يعيشها العالم خصوصاً تلك التي كشفت غطائها جائحة كورونا أن سوء إدارة الإنفاق المالي على المؤسسات الصحية في بعض دول العالم أدى إلى انهيار المنظومة الصحية الهشة انهياراً موجعا نتج عنه نفوق ألاف الضحايا وحدوث شلل تام في العديد من القطاعات الأخرى وأولها الاقتصاد، مما يؤكد الارتباط المباشر بين الاستقرار الصحي لمواطني الدول ورفاهية الدول وقوتها.
وينعكس استعداد الدولة للطوارئ الصحية بما تمتلكه من الطاقة الاستيعابية للمستشفيات مع توفير المستلزمات الطبية والكوادر الصحية المستعدة والمدربة للتعامل مع هذه الطوارئ كالأوبئة والأمراض الفتاكة التي تجتاح العالم بغير سابق إنذار، على مدى استقرارها
وفي سلطنة عمان صمدت المنظومة الصحية في الجائحة صمودا نستطيع القول أنه صمود يحسب لها، فليس من السهل أن تثبت المؤسسات الصحية على تقديم الرعاية الصحية الأخرى في خضم جائحة أهلكت ملايين البشر حول العالم ووصل الانهيار في بعض الدول إلى حالة مأساوية رأينا فيها السرير الواحد يتقاسمه مريضان، والشوارع ممتلئة بطوابير من البشر منهم من كان يشهد خروج روح أحبابه بعد عجز المؤسسات الصحية لدولته عن توفير علاج ينقذ حياته، و يقودنا هذا إلى استشعار الخطر القادم الذي ما لم تحسب له الجهات المعنية في السلطنة ، لربما سيؤول بنا الحال إلى مواجهة كوارث مشابهة في أقل جائحة تعترضنا مستقبلا، في عصر أصبحت فيه المسببات الوبائية تضاعف من قوتها وتطور من مقاومتها وتزيد من سرعة انتشارها.
لماذا علينا أن نقلق؟
وقياسا بالإنتاج المحلي يعتبر معدل الانفاق الصحي في السلطنة منخفض نسبياً، وذلك مقارنة بالدول ذات المستوى المماثل من الدخل، والمثير للقلق أن ذلك يعني أن الصحة في عمان لا تتصدر الأولوية من إجمالي الإنفاق العام في حين أن الرعاية الصحية هي حق مكتسب لكل مواطن ومواطنة بموجب المرسوم السلطاني.
ونخشى ان يعد ذلك سوءًا في إدارة المال العام من حيث ترتيب أولويات الإنفاق وقد أثبتت الدراسات أن البلدان التي اتبعت سياسة التقشف المالي بخفض الإنفاق الصحي عانت من تدهور الحالة الصحية على المدى القريب والبعيد، فلا يوجد شك أن قيمة حياة المواطن هي الأهم لأن تلك القيمة والأهمية تنعكس على الأجيال المستقبلية كما إن نقص الاهتمام بها يهدد أجيال أخرى قادمة.
لابد من تركيز الدعم على القطاع الصحي حيث يعد الانخفاض أو التقليل من الصرف مؤشراً مقلقا من أن يعاني القطاع الصحي لاحقا عواقبا سلبية تحيل دون تحقيق الرؤية المتأملة في قطاعات الدولة بشكل عام وفي القطاع الصحي على وجه الخصوص، ولابد أن يتم تفادي المعوقات التي قد تعرقل الوصول إلى تحقيق رؤية عمان 2040، وللتغلب على هذه التحديات نجده أن من أهم الضروريات إيجاد استدامة مالية للقطاع الصحي وإيجاد الطرق للتمويل بشراكة من القطاع الحكومي والقطاع الخاص.
وتشير الإحصائيات والبيانات الصادرة أن الإنفاق الصحي في سلطنة عمان هو الأقل مقارنة بالناتج المحلي والانفاق العام على مستوى إقليم الشرق المتوسط، كما أن سلطنة عمان تعتبر الأقل في المصروفات على الصحة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبالتالي فإن الحاجة باتت ماسة لزيادة الإنفاق على هذا القطاع المهم والحيوي والمصيري أيضا، لتتمكن المنظومة الصحية من أداء دورها المنوط بها، وتضطلع بواجبها الأساسي مع التطور الذي تشهده الحياة ولنتمكن كمواطنين أيضا ومقيمين من نيل الاهتمام الصحي على قدر المساواة مع البلدان المتقدمة والمتحضرة، فإلى متى سيتم تصنيفنا ضمن الدول النامية؟
إن ذلك لن يتأتى إلا بتحقيق الإغداق على تطوير مؤسسات الدولة وعماد صلاحها وتقويمها وفي مقدمتها الصحة والتعليم.
لكي نصمد يجب ان نصرف..
في خضم تسارع مجنون للتقنيات والأدوات وزيادة عدد السكان ومعدل النمو في العالم، يزداد الطلب على الخدمات الصحية يومًا بعد يوم، كل شيء يتغير وسلطنة عمان ليست بمنأى عن هذه التغيرات ؛ فنتيجة التغيرات الديموغرافية للمجتمع العماني تنتج زيادة في ضغوطات الطلب للخدمات الصحية وما لم يتم مواكبة هذا التغير بما يتناسب مع الحاجة الماسة لهذه الخدمات، لن نستطيع تجاوز التحديات التي ستترتب على هذا النقصان، أصبح التوسع في الخدمات الصحية المقدمة وفي جميع مستوياتها مطلبا ضروريا وهاما.
فعلى مستوى التقنيات والتكنولوجيا الطبية والأجهزة الحديثة، فإنه يجب العمل وفق أسس ومعايير دولية لايجوز تجاوزها، فما بالك بالأجهزة المتهالكة والتي أرجح انتهاء عمرها الإفتراضي كما عفا على صلاحيتها الزمن ، فكم من مرة نراجع فيها المستشفيات لنتفاجىء باختلال النظام نتيجة التوقف المفاجئ لبعض الأجهزة، حيث إن حتى الصيانة لم تعد تجدي لتلك الألات فلايمكن أن يصلح العطار ما أفسده الزمن!
لضمان حقنا الإنساني كمواطن يعيش على هذه الأرض الطيبة فلابد من توسعة نطاق الخدمات الصحية المقدمة، فلماذا لايتم استيفاء جميع الاشتراطات اللازمة في تلك المؤسسات، حيث إنه بالنظر إلى المستوى الأول الذي نلجأ إليه كالمراكز والمجمعات الصحية نجد أننا لم نحقق العدد المطلوب من تلك المراكز وما زال في بعض المناطق وللأسف كمركز صحي واحد يقدم خدمة لكثافة سكانية تتجاوز (10000) نسمة!، فتوسيع تلك المراكز والخدمات سينعكس على أداء وجودة مستوى الرعاية الثاني والذي يرتبط موثقا بضمان تقديم خدمة تكاملية في البديل الأول( المراكز والمجمعات الصحية).
إن التقنين وزيادة المنشأت الصحية ورفع طاقة الاستيعاب يتطلب أيضا ضخ وامداد بالقوى العاملة البشرية ، كما أن هذه القوى البشرية تتطلب تنمية مستديمة من حيث العدد والكفاءة، فكلنا يعلم أن الرعاية الصحية كلما تقدمت احتاجت إلى كوادر بشرية ذو كفاءة للتعامل مع مختلف الحالات أي أن الأمر برمته مرتبط وفق سلسلة متداخلة مع زيادة الصرف والدعم المادي للقطاع الصحي لتحقيق هذه المقاصد حيث تعد متطلبات أساسية وضرورية وليست مجرد ترف.
يشكل التنافس العالمي على الكفاءات الطبية وسعي الدول إلى اغراء هذه الكفاءات واستقطابها بهدف الاستفادة من خبرتها هاجس أخر فلابد لنا أيضا من تقديم كريم وجلب الكفاءات التي أيضا تدرب وتمكن الكفاءات الوطنية وتكسبها المعرفة، فإلى متى سيتم ابتعاث المتدربين للخارج ونحن نرى التكاليف الباهظة التي تصرف من أجل تأهيل وتدريب الفئات الطبية والطبية المساعدة منذ فترات زمنية طويلة.
من خلال تتبعنا للموازنة المرصودة سيبدو شاهدا للعيان أنها أصحبت لا تلبي الاحتياجات الفعلية بل أنها لا تواءم الصرف الحقيقي في الواقع، مما يشكل عائقا حقيقيا وتحديًا كبيرًا في ظل تنامي الطلب على الخدمات الصحية وتطلعات أبناء الوطن في شتى ربوعه للمزيد من التطوير والتحسين في الخدمات
حيث يشكل الصرف للرواتب والبدلات للموظفين ما مجمله 78.3 % من موازنة وزارة الصحة وهذا بحد ذاته يشكل عائقًا أمام تطوير المنظومة الصحية إذا استمر الأمر وفق الاعتمادات المالية الحالية! ومازالت المخرجات الطبية في تزايد والتعمين في تزايد مما يفسر فإذا كانت النسبة الأعلى من موازنة وزارة الصحة تذهب إلى الرواتب دون غيرها فبالتأكيد هذا سيؤثر على تطور الخدمات في المنظومة الصحية بحيث أن التعمين هو حق مكتسب لأبناء الوطن ولأنهم يعتبرون عمود أساسي في تقديم الخدمات الصحية ولكن هذا يتطلب أيضا بذل المزيد من الصرف التمويلي على القطاع الصحي لكي يكون متكافئ في القوة البشرية ونضمن الخدمات المأمولة.
ومن المثير للاستغراب أن القوى البشرية مازالت لا تحقق النسبة المطلوبة مما يشي بوجود أزمة بشرية (مقدمي الخدمة) لا تتوافق مع النمو السنوي للسكان.
وبالتطرق إلى الأسباب التي بات يستوجب عندها تقديم الدعم المالي الكافي جملة وتفصيلا مع ارتفاع معدل النمو السكاني وزيادة عدد المواليد في السلطنة، مما يعني تضاعف عدد السكان وفقا للإحصائيات التعدادية إلا أننا نجد أن المصروفات الخاصة بوزارة الصحة بقت على نفس المستوى خلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2019م، كما يوضحها التقرير الصحي السنوي الصادر عن وزارة الصحة لعام 2019م. وبالطبع نعي وندرك أن هذه الزيادة في الولادات يقابلها زيادة في المصروفات، فهل هناك تكافؤ منصف بين الأمرين؟!!.
يذبل العمر وينطوي والمواطن ينتظر مواعيد المستشفيات.
إلى متى سنبقى أسرى للمواعيد طويلة الأمد؟ وأين الخلل وما سبب تأخر تلك المواعيد؟ بالطبع لأن المتاح من الخدمات لم يعد يتناسب مع الطلب، حيث أن هناك حاجة ماسة لتوسيع أسرة الرعاية التخصصية المكلفة وحاجة لتوسعة خدمات الرعاية التخصصية وحاجة لتطوير أدواتها وتجديد أجهزتها بحيث تتناسب طرديا مع عدد السكان، ولن يتأتى ذلك إلا بدعم مادي سخي لتنتشل المستشفيات التخصصية الحالية من ضغط الاكتظاظ، فالبقاء على ذات النهج دون التغيير أو التقدم قيد أنملة في الصرف على هذه الرعاية التخصصية يعني أن الأمر يسير نحو الاحتدام وليس التخفيف، فيجب زيادة عدد الأسرة في المستشفيات بما يتناسب مع معدل النمو السكاني وينتج عن ذلك تزاحم في المواعيد على مؤسسات الرعاية التخصصية وتأخرها في حين ان المرضى في حاجة ماسة لها.
يتكبد المواطن خسارات كبيرة ويبحث عن العلاج في الخارج لأن بعض التخصصات النادرة بقت دون إضافتها إلى خدمات المنظومة الصحية ، كما إن البعض ممن يحظى بعلاج على نفقة الحكومة يشكل أيضا عبئا إضافيا على كاهل الدولة والمزيد من الإنفاق و الالتزامات لذا فلا بديل عن إضافة وتوسعة الخدمات الصحية .
وفي خضم مواصلة الأوبئة في تطويرميكانيكية مقاومتها مما يعني وجوب وجود استعداد تام ومتوازي في أجهزة المكافحة للسيطرة عليها، من جراحات ومعاينات وعلاج وقد زادت التدخلات الجراحية في وهذا كله مكلف جدا ونعود إلى مربط الفرس وبيت القصيد والمقصد، كل ذلك لن يتأتى ما لم يتم بانفاق مالي متوازي مع هذه الخدمات الضروري وعلى سبيل المثال لا الحصر خدمات غسيل الكلى وزيادة الطلب على خدمات التوليد، والمتابعة اثناء الحمل حتى الولادة والعمليات القيصرية كل ذلك ينتج عنه استهلاك المعدات والمواد والطاقات التشغيلية وكل ذلك مرهون بالصرف على الصحة واثراء القطاع الصحي وتمويله بما يتناسب مع التغيرات العصرية والديموغرافية، وإذا ما عرجنا إلى قسم الرعاية المركزة وفي خضم الأمراض المرتفعة سواء كان المعدية او تلك الخاصة بأمراض القلب يتطلب زيادة في عدد أسرة العناية المركزة ولنا في جائحة كوفيد-19 خير مثال، مما يعني وجوب وجود تأهب عالي وقوي وتوسعة الأسرة خصوصا في حال.
لربما نستطيع التنبوء بعدة عدة أعوام بالمشاكل التي سيواجهها القطاع الصحي إذا بقي الحال كما هو!!!، حيث لا يمكن مع استمرار هذه النسب ضمان دعم تشغيل خدمات صحية عالية أو تخصصية ولا حتى تحديث تلك الخطوات ولا تطويرها!
من أجل صحة الجميع فلنتكاتف ونقلل الاستهلاك
الملاحظ في مجتمعاتنا العربية الافتقار إلى ثقافة ترشيد استهلاك الدواء فهناك هدر وإسراف في استخدام هذه الأدوية وهذا يجعلنا جميعا كمواطنين وكذلك جهات مختصة مسؤولون مسؤولية مباشرة لتقنين هذا الأمر، ولا ننسى أن تلك الأدوية توفرها لنا وزارة الصحة كخدمة مجانية لأبناء هذا الوطن، لذا فإن المحافظة على مكتسبات هذا الوطن وأدواته هو واجب إنساني وأخلاقي، على كل فرد منا أن يتحمل تلك المسؤولية الاجتماعية النبيلة.
استهلاكنا للأدوية حسب حاجتنا سيخفف عبء كبير، هناك الكثير منا للأسف من يصرف له أحيانا علاج أخر وتبقى عشرات العلب من الدواء المستبدل ولا نفكر كمستهلكين أن نعيدها أو التصرف بها بطريقة تضمن أن هناك مريضا أخر قد تناسبه ويمكنه أن يتناولها وبذلك نعد قد قللنا من الإسراف غير المجدي في استخدام هذه الأدوية. إن امتلاء أكياس الأدوية من غير حاجة حقيقية لها سلوك غير حضاري يجب أن يكون هناك وعي إرشادي مجتمعي ولندرك أن الصحة والشفاء ليسا في كثرة الأدوية بل بتجنبها قدر الإمكان ويتأتى ذلك من خلال اتباع أسلوب حياة صحي وسليم والممارسات الصحية الصحيحة والمحافظة على النفس والصحة ومن ثم نتجنب الحاجة للمستشفيات.
