فايزة محمد تكتب: لا أمان بعد اليوم لأي فاسدٍ

فايزة محمد

الفساد الإداري والمالي من الظواهر الخطيرة التي تُهدد نمو واستقرار الدول؛ حيث تتسبب في زعزعة الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي، وتعطيل مصالح المواطنين وشل قدرة البلاد على النمو في مُختلف المجالات، ونشوء طبقة غنية مُترفة صغيرة تتحكم في جميع موارد الدولة، وطبقة أخرى فقيرة تشكل معظم السكان، وتعد هذه الظاهرة إحدى أهم أسباب تخلف الكثير من الدول النامية التي ينخر الفساد جسدها، حتى بات من الصعب التحكم فيها فضلاً عن القضاء عليها.

ولذلك فإنَّ التقرير الذي أصدره جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة “ملخص المجتمع” عن نتائج أعماله بين عامي 2011 و2020؛ تحقيقًا لمتطلبات الخطة الخمسية العاشرة لتعزيز الشفافية والإفصاح بما يخدم العملية التنموية في سلطنة عُمان، أثلج بالفعل صدور المواطنين الذين كانوا يدعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة الدولة إلى الضرب بيد] من حديد على كل من تسول له نفسه مد يده إلى المال العام، ولكل الفاسدين الذين خانوا ثقة الدولة والشعب.

وبحسب الموقع الإلكتروني لجهاز الرقابة الإدارية والمالية للدولة، فإنه إيمانًا من حكومة السلطنة بأهمية مكافحة الفساد فقد صدر المرسوم السلطاني رقم (64/ 2013) بالموافقة على انضمام السلطنة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ومنع الفساد، الأمر الذي عكس حرص السلطنة على التعاون مع المجتمع الدولي للقضاء على جميع أعمال الفساد المجرمة، وقد كُلِّف جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة بمهمة هيئة مكافحة ومنع الفساد ومتابعة تنفيذ الاتفاقية بالتنسيق مع جهات الاختصاص بما يضمن تنفيذ السلطنة لالتزاماتها الدولية في هذا الشأن.

وكشف التقرير عن المبالغ التي تمَّ تحصيلها واستردادها خلال الخطة الخمسية التاسعة، والتي لم تكن صغيرة وإنما وصلت إلى 580 مليون ريال عُماني، كما أن الجهاز تعامل مع 207 قضايا بالتنسيق مع الادعاء العام وصدرت بشأن بعضها أحكام قضائية وأخرى لا تزال قيد الإجراءات.

هذه الوقائع التي تضمنها تقرير جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة وشملت خطة الفحص لمختلف الجهات الحكومية والخاصة، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحكومة في عهد النهضة المتجددة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- جادة في مُحاربة الفساد والتجاوزات المالية والإدارية التي تحدث في بعض المؤسسات وأنها ماضية في كشف هذه التجاوزات وتقديمها للرأي العام وإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة.

الفساد والتجاوزات لا يشملان نهب المال العام فقط -كما يتصور البعض- وإنما يشملان أيضاً نواحي مختلفة منها الرشوة والكسب غير المشروع واستغلال السلطة والنفوذ وسوء استخدام السلطة والمحاباة والمحسوبية والدخول في صفقات خاسرة تهدر الملايين من أموال الدولة، وغير ذلك مما يندرج تحت بند الفساد، وقد تضمن تقرير الرقابة المالية والإدارية للدولة جميع هذه التجاوزات وكيفية طريقة تعامل الجهاز معها.

كلمة أخيرة.. إنَّ هذا التقرير الذي أصدره جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة والوقائع التي جاءت فيه ونُشرت لأول مرة، لا تؤكد فقط أن الدولة جادة في محاربة الفساد والمعطلين لحركة التنمية في البلاد، وإنما أيضًا رسالة حازمة إلى كل الفاسدين ولمن يحاولون استغلال نفوذهم من أجل نهب المال العام وتحقيق مصالحهم الخاصة، مفادها أنَّ عين الدولة تراقبهم وأنه لا أمان بعد اليوم لأي فاسدٍ.