قضية الباحثين عن عمل في سلطنة عمان (قراءة في الأسباب و النتائج نحو حلول عملية مستدامة)

زكريا بن عامر بن سليمان الهميمي

*تمهيد :

قضية الباحثين عن عمل في السلطنة، هي قضية ليست وليدة اللحظة أو الساعة، وهي ليست أيضا بجديدة على الساحة العمانية فهذه القضية هي قضية مزمنة و متراكمة، شغلت وما تزال الرأي العام في المجتمع العماني منذ بضعة عقود من الزمن من عمر النهضة العمانية الحديثة، وتعددت حول هذه القضية الآراء، وكثرت حولها التنظيرات والتحليلات والاستنتاجات والتأويلات، فهي قضية باتت تؤرق كل أسرة عمانية و جميع أفراد المجتمع العماني ككل، لما لهذه القضية من أهمية كبيرة في المستوى المعيشي للسكان، ولما لها أيضا من تداعيات سلبية خطيرة على كافة الأصعدة: الشخصية، والنفسية، والأسريةو الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، و كذلك تداعياتها السلبية على الصعيد الوطني العام، إضافة لتأثيراتها على سمعة ومكانة الدولة إقليميا ودوليا في مجال معدلات وأعداد الباحثين عن عمل. فلهذه القضية الحساسة والخطيرة والمعقدة والشائكة جدا أبعاد علمية عميقة تتعلق بتحليل ودراسة جذور وأسس المشكلة أولا من أجل اجتثاث هذه المشكلة من منابعها ومصادرها الأصلية والحقيقية بشكل كلي، أو بغرض التقليل والحد من آثارها السلبية على صعيد المجتمع، ولا يتم ذلك إلا خلال تبني حلول عملية واقعية مستدامة بدلا من التعامل مع هذه المشكلة باستخدام الحلول الآنية والوقتية المؤقتة والطارئة، أو باستعمال الحلول الأمنية السريعة والتي لا تؤدي إلا إلى اختفاء هذه الظاهرة مؤقتا، ثم لا تلبث أن تظهر مرة أخرى على السطح بعد مدة من الزمن، لذا وجب تبني منهج علمي تحليلي إحصائي منظم لتشخيص هذه المشكلة من خلال جمع المعلومات الدقيقة عن هذه الظاهرة، وتحليلها ثم استخلاص نتائج وحلول عملية واقعية مستدامة ومرنة لهذه القضية لوضع النقاط على الحروف بدلا من استخدام مناهج وصفية مجردة تصف فقط تلك الظاهرة و تداعياتها ونتائجها الماثلة للعيان في واقع المجتمع العماني بطريقة سطحية وضحلة. ولكي نفهم طبيعة وأساس هذه المشكلة لابد أولا من الاعتراف بالمسؤولية المشتركة عن هذه الظاهرة بين كل مكونات المجتمع العماني الأساسية ذات العلاقة بملف العمل من القمة وحتى القاعدة، و تلك المكونات هي:

 

1. السلطة المتمثلة في الحكومة بكافة قطاعاتها ومؤسساتها وأجهزتها الحكومية العامة.

 

2.القطاع الخاص في السلطنة.

 

3. مؤسسات المجتمع المدني في السلطنة.

 

4. الباحثون عن عمل.

فالشراكة الوطنية، والحوار الوطني الحقيقي الجاد والمثمر والمتكامل والشفاف القائم على المكاشفة والمصارحة، و البعيد عن التشنج والتوتر، والتضخيم والمبالغة، و الحوار الإيجابي البناء، والنقاش الهادىء والمتزن و المبني على قيم الشفافية والنزاهة والتسامح، وتحمل المسؤولية الوطنية و الأخلاقية بين جميع الأطراف ذات العلاقة بملف الباحثين عن عمل وهم: القطاع الحكومي العام، و القطاع الخاص، والقطاع الأهلي، و الباحثين عن عمل، وتحمل كل طرف من هذه الأطراف مسؤوليته الوطنية بشجاعة وإخلاص وحسن نية، مع تظافر وتكامل الجهود الوطنية والتعاون المثمر والبناء كفيل بالحد من التداعيات السلبية لقضية الباحثين عن عمل في وطننا العزيز على قلوبنا جميعا عمان الحاضر المشرق والمستقبل الواعد. و الحوار والنقاش كذلك حول قضية الباحثين عن عمل لكي يكون بناء وناجحا وهادفا يجب أيضا أن يبنى على أسس علمية ومنطقية قائمة على الدراسة المستفيضة لهذه القضية من جميع جوانبها وزواياها، كما يجب أن يبنى هذا الحوار والنقاش على منهجية النقد القائم على القيم والمثل والأخلاق العليا التي تغلب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الشخصية الضيقة، و هذا الحوار والنقاش الإيجابي سيقود بدوره لحلول عملية مستدامة لمثل هذه القضية، بعيدا عن التراشق الكلامي، وتبادل وكيل الاتهامات حول مسؤولية كل طرف عن هذه القضية الخطيرة التي تمثل جرحا نازفا مستمرا في المجتمع العماني لم يندمل بعد، لكن بالإمكان تضميده وإيجاد حلول عملية واقعية، و علاجات ناجعة ممكنة له.

فمشكلة الباحثين عن عمل كمشكلة مزمنة و متراكمة في مجتمعنا يوما بعد يوم، ليس من المستحيل حلها نهائيا أو على الأقل التخفيف من آثارها السلبية، ولا يتم ذلك إلا من خلال تبني طرح متوازن ومنصف حول هذه القضية. فهذه القضية هي قضية مجتمعية مشتركة كانت في واقع الأمر نتاج لسياسات حكومية إجتهادية في مجال العمل والتشغيل، ونتاج لثقافة مجتمعية حول العمل والمهن على حد سواء، ساهمت تلك السياسات جميعها الحكومية بالإضافة إلى الثقافة المجتمعية في تفاقم حجم هذه المشكلة في المجتمع العماني.

ولا يمكن لنكون منصفين ومحايدين وجادين في الطرح الفكري كما قلنا سابقا تحميل طرف واحد المسؤولية القانونية والأخلاقية حول تنامي وتفاقم هذه الظاهرة في مجتمعنا، فالجميع أفرادا ومؤسسات كل في مجاله وتخصصه هم شركاء في المسؤولية الوطنية، ويجب أن يتحمل كل طرف مسؤولياته الأخلاقية و الوطنية إزاء أية تداعيات سلبية جسيمة قد تفرزها هذه القضية المعقدة والخطيرة على الصعيد الوطني.

 

التداعيات والنتائج السلبية لقضية الباحثين عن عمل في عالمنا المعاصر:

قبل الخوض في أسباب مشكلة الباحثين عن عمل، جدير بنا أن نذكر أولا عددا من التداعيات السلبية الخطيرة الماثلة للعيان لظاهرة الباحثين عن عمل في الكثير من المجتمعات في عالمنا المعاصر من باب التذكير بالشيء، فمن بين التداعيات والنتائج السلبية التي تفرزها مشكلة الباحثين عن عمل في تلك المجتمعات في واقع عالمنا الحالي بشكل عام نذكر منها التالي:

1.إنتشار معدلات الجريمة وشيوعها في المجتمع : فهناك علاقة طردية بين ازدياد قضية البحث عن عمل وبين معدلات الجريمة في المجتمع، فالفراغ الناتج عن عدم توفر فرص العمل، وعدم استغلال الوقت فيما فيه فائدة نفع علي الفرد ، قد يقود ذلك الفرد الباحث عن عمل إلى القيام بالكثير من الظواهر الجرمية والجنائية كاللجوء إلى طرق الاحتيال والسرقة، والابتزاز الالكتروني، وتكوين عصابات إجرامية منظمة، وتعاطي المخدرات والمسكرات والمؤثرات العقلية كنوع من الانسحاب السلبي عن مواجهة الواقع المرير للباحثين عن عمل أو لتوفير مصدر دخل بديل ولو بطرق غير مشروعة وغير قانونية وغير أخلاقية.

 

2. تفشي ظاهرة الفقر في المجتمع: فأحد أسباب تفشي ظاهرة الفقر في المجتمع هو عدم وجود دخل مالي كاف للفرد من خلال العمل، يوفر له ذلك الدخل حياة معيشية كريمة تليق بمكانته الإنسانية وكيانه البشري المكرم، فالفقر قد يؤدي أيضا إلى بروز ظاهرة التسول في المجتمع وما قد ينتج عنها من آثار اجتماعية وخيمة، إضافة إلا أن الفقر قد يؤدي ببعض ضعفاء النفوس إلى ابتزاز الفقراء الذي قد يؤدي إلى ظاهرة الإتجار بالبشر المجرمة قانونا ودوليا .

 

3. ازدياد ظاهرة الإضطرابات النفسية: فوفقا لقواعد وأدبيات علم النفس، والطب النفسي، والعلاج السلوكي قد تؤدي مشكلة البحث عن عمل – وما يصحبها من إحباط وهزيمة نفسية، وانسحاب سلبي عن الواقع، وعزلة إجتماعية، وصدمات نفسية حادة ناتجة عن عدم حصول الفرد على عمل- لإصابة الفرد ببعض الاضطرابات النفسية والسلوكية كالقلق، والإكتئاب الحاد وهذه الإضطرابات النفسية بدورها قد تؤدي إلى شيوع حالات الانتحار، أو محاولة الشروع في الانتحار بين الباحثين عن عمل في المجتمع، وهذا بدوره يدس ناقوس الخطر حيث تشكل حالات الانتحار بين الشباب الباحث عن عمل خسارة كبيرة لقوى وطاقات شبابية نافعة للوطن.

 

4. ازدياد معدلات التحويلات المالية للخارج من قبل العمالة الوافدة: فسيطرة العمالة الوافدة على قطاعات العمل يؤدي إلى خروج العملة الوطنية للخارج مما ينعكس سلبا على قوة ومتانة الاقتصاد الكلي للمجتمع و الإقتصاد الوطني.

 

5.الاخلال بالأمن الوطني وبالنظام العام: حيث أن انتشار وتفشي ظاهرة البحث عن عمل لدى بعض الباحثين عن عمل في المجتمع في عالمنا المعاصر، وما يصاحب هذه الظاهرة من مشكلات إجتماعية ومعيشية قد تدفع الباحثين عن عمل في بعض المجتمعات لتأسيس خلايا سرية مضادة للقانون و للنظام العام و ذات توجهات إجرامية، وطبيعة انتقامية عدائية، إضافة للاحتكام للشارع من خلال القيام بتنظيم تجمهر و تجمعات و اعتصامات ومظاهرات، ووقفات احتجاجية تطالب بالتوظيف والتشغيل، و قد يصحب تلك التظاهرات والاحتجاجات إخلال بحبل الأمن العام من خلال الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، والقيام بأعمال شغب، و قطع و تعطيل حركة السير والمرور، وبالتالي تأخر مصالح الناس، وتضرر مؤسسات الوطن الاقتصادية ومنشآته الحيوية، و تعطل الحركة الاقتصادية في حال عدم رضوخ السلطات لمطالبهم أو عدم قدرة الأجهزة الأمنية على السيطرة والتحكم في تلكم الظواهر السلبية التي قد تشكل عبئا كبيرا على القدرات التي تمتلكها الأجهزة الأمنية المعنية بحفظ القانون والنظام ، مما قد يشكل بدوره تهديدا للأمن الوطني العام تنعكس آثاره السلبية على أمن وسلامة تلك الأوطان و الأفراد الذين يعيشون فيها على حد سواء.

 

6.الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي: فالاضطراب الأمني نتيجة تفشي ظاهرة الباحثين عن عمل قد يؤدي إلى اضطراب سياسي داخل جسم الدولة يؤدي إلى اهتزاز ثقة أفراد المجتمع بالأنظمة السياسية القائمة في تلك الدول، وتؤثر سلبا على استقرار كيانات تلك الدول، وسياساتها وتوجهاتها في قيادة الأفراد والمجتمعات.

 

7.إضمحلال النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية : فتفشي ظاهرة الباحثين عن عمل قد تقود لتفكك الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع من خلال ايجاد طبقية اجتماعية متباينة، وفقدان الأمان الاجتماعي في المجتمع، والتأثير على النسيج الوطني واللحمة الوطنية بين أبناء المجتمع في عالمنا المعاصر .

 

8. إهدار الطاقات والقوى الوطنية في ما لا يعود على الفرد والمجتمع بالنفع و الخير: فظاهرة الباحثين عن عمل – و التي قد تمتد لفترات ومدد زمنية طويلة – تعد بذاتها هدرا وخسارة كبيرة للطاقات الوطنية و الطاقات الانتاجية الفاعلة التي تساهم في بناء الدول والأوطان.

 

الأسباب التي تؤدي لمشكلة الباحثين عن عمل في المجتمع العماني:

بعد استعراض أهم التداعيات السلبية لقضية الباحثين عن عمل في واقع مجتمعاتنا المعاصرة، وقبل البدء في إيجاد حلول عملية لعلاج مشكلة الباحثين عن عمل في المجتمع العماني من الواجب أولا أن ندرس بكل شفافية الأسباب الحقيقية الواقعية الظاهرة للعيان والتي هي سبب لظهور تلك المشكلة في المجتمع العماني، لنتمكن كما قلنا سابقا من تشخيص هذه المشكلة بعد ذلك تشخيصا علميا دقيقا و بنظرة تحليلية وإحصائية مبنية على منهج علمي رصين نستنتج من خلال ذلك المنهج حلولا عملية مستدامة

تمككنا من وضع النقاط على الحروف، ووضع الضمادة المناسبة على الجرح، ومن بين تلك الأسباب التي تؤدي لظهور مشكلة الباحثين عن عمل من وجهة نظرنا المبنية على تحليل هذه المشكلة نذكر من بين تلك الأسباب التالي:

 

1. منظومة السياسات الحكومية المتعلقة بتمكين الاقتصاد الانتاجي، والتشغيل و والتوظيف والعمل على مدى عدة عقود من الزمن: فبالرغم من بعض النجاحات الحكومية المقدرة والمشكورة في هذا المجال، إلا أن بعض تلك السياسات الحكومية خاصة المتعلقة بالتعمين في بعض المهن لم يكتب لها النجاح بشكل كامل، حيث أن تلك السياسات والتطبيقات كانت بحاجة لتقييم ومتابعة مستمرة للتأكد من فعالية تلك السياسات، ومدى ملائمتها للواقع الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي للباحثين عن عمل في المجتمع العماني، وينطبق هذا الأمر كذلك على سياسات الإحلال والتوظيف والتعمين والتي كانت بحاجة لدراسات معمقة بعيدا عن عوامل التسرع والعجلة والارتجال، إضافة لضعف سياسات وتطبيقات دعم وتطوير منظومة القطاع الخاص في السلطنة لجعله بيئة جاذبة للقوى العاملة الوطنية من خلال تزويده بالحوافز والدعم المستمر لتمكين هذا القطاع من استيعاب أكبر عدد من القوى العاملة الوطنية بدلا من استيعابها في القطاع الحكومي العام المتشبع أصلا بالقوى العاملة الوطنية، مما أوجد بطالة مقنعة في القطاع العام، وكذلك قصور بعض سياسات التشغيل الحكومية المبنية على الحلول السريعة والمستعجلة مع أهمية هذه الحلول المقدرة والمشكورة في إستيعاب الباحثين عن عمل في القطاع العسكري والأمني لاحتواء وامتصاص مشكلة الباحثين عن عمل وأعدادهم المتزايدة بشكل عاجل وفوري لكن ذلك يؤدي لحل المشكلة لفترة معينة وليس كحل مستدام .

 

2. طبيعة النظام التعليمي في السلطنة بكافة مراحله: فالعمل في النهاية هو نتاج لمخرجات التعليم، فلم تكن هناك موائمة كافية بين مخرجات التعليم والمتطلبات الفعلية لسوق العمل، مما أوجد فجوة كبيرة بين مخرجات قطاع التعليم وبين المعارف و المهارات الأساسية التي يتطلبها سوق العمل ليواكب المتغيرات التقنية في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا الانتاجية الحديثة ونظام العولمة، كما لم يكن هنالك تركيز كبير على مسارات التعليم المهني والتقني التطبيقي ضمن منظومة التعليم في السلطنة، ونأمل من خلال إدراج مسار العمل المهني في التعليم العام التغلب على مثل هذه المشاكل وتقليص الفجوة في مجال التعليم المهني والتقني والتطبيقي .

 

3. ثقافة العمل السلوكية لدى أفراد المجتمع: فالثقافة المجتمعية السلوكية لدى كثير من الشعوب المتقدمة حول طبيعة العمل وفلسفته لها دور فاعل في صياغة توجهات وقيم القوى العاملة في المجتمعات، خاصة ثقافة العمل المهني والحرفي، وثقافة العمل الحر، و ثقافة ريادة الأعمال، وثقافة الابداع والابتكار، وثقافة الصبر والتحمل من أجل الوصول للأهداف والطموحات المرجوة، وثقافة أهمية الوقت والعامل الزمني في الانتاج والانجاز، وثقافة تحمل المسؤولية، وثقافة المنافسة و تحدي الصعاب، وثقافة الانتاج بدلا من ثقافة الاستهلاك ،وثقافة تطوير وتنمية الذات من خلال النخطيط الشخصي، وهنا تلعب التربية الأسرية والتنشأة الاجتماعية الايجابية للأجيال منذ نعومة أظافرهم دورا مهما في غرس قيم قدسية مكانة العمل، والإخلاص والتفاني فيه، و تفعيل قيم الجد والنشاط والتوكل، وقيم الجدية والانضباط السلوكي في مجال العمل، ونبذ سلوكيات التواكل و الاتكال والاعتماد على الغير خاصة الاعتماد الكلي والدائم على العمالة الوافدة التي قد تكون في حقيقة أمرها عمالة مؤقتة وليست دائمة، أو أنها عمالة غير مدربة أو غير ماهرة مقارنة بالعمالة الوطنية المدربة والماهرة الثابتة في جذور وطنها، فلم يعد من المقبول إقتصاديا أن تترك الكثير من المهن والحرف المهمة للاقتصاد في قطاع العمل العماني للعمالة الوافدة خاصة في مجال الأسواق التقليدية، ومجال السياحة الداخلية، ومجال الثروة الزراعية والسمكية، و مجال المهن والحرف اليدوية بسبب عزوف الشباب العماني عن العمل في هذه المهن لعقود طويلة من الزمن، كذلك فإن نبذ سلوكيات الدعة و الخمول و الكسل، ونبذ سلوك الترفع والازدراء والاستنقاص لبعض الاعمال والمهن هو مطلب ضروري من أجل بناء اقتصاد سلوكي وطني حقيقي يعود بالنفع على الأفراد وعلى الاقتصاد الكلي للمجتمع في كيان الوطن الواحد الذي يبنى على أيدي و سواعد أبنائه المخلصين.

 

4. القصور والخلل في مدى فاعلية التخطيط الاستراتيجي القصير والمتوسط والبعيد المدى لمنطومة العمل: يعد التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي أحد أهم ركائز نجاح النظام الاقتصادي للدول، فمن المسلمات في مجال التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي ضرورة تبني المنهج العلمي السليم في مجال التخطيط الاستراتيجي القائم على مبدأ المشاركة في التخطيط وصنع القرار الاقتصادي من قبل جميع أطراف المنظومة الاقتصادية في الدولة، فالتخطيط الاقتصادي الاستراتيجي العلمي السليم يجب أن يعكس الواقع الحقيقي لسوق العمل بكافة صوره وأشكاله، فالمخطط الاستراتيجي الناجح ينطلق من واقع الميدان ليستخلص منه الفكرة أو ليشخص منه المشكلة ليصل لحل عملي لها ، أو أن المخطط يعرض الفكرة الجديدة أولا على الواقع ويرى مدى تلاؤمها مع الميدان ومع الواقع، ثم يقوم بعدها بتطبيق فكرته على الواقع، مع عدم إهمال مبدأ التقويم والتقييم المستمر والمحاسبة في مجال التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي بغرض التطوير والتحسين وتصحيح وتلافي الأخطاء ، أما قيام المخطط بالتخطيط في مكاتب مغلقة بعيدا عن واقع الميدان، أو استيراد خبرات وتجارب الآخرين بلا وعي بمدى فاعليتها في أرض الواقع فهذا يعد خللا جسيما في مجال التخطيط الاستراتيجي في مجال العمل، فالتخطيط الناجح والفعال يجب أن يبنى على أسس وقواعد متينة من بينها دراسة الواقع دراسة علمية واعية ومنطقية وواقعية ، وبنظرة مستقبلية واقعية مبنية على حقائق واحصائيات دقيقة، كما ان التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي الفعال يتسم بدور وقائي توقعي لتفادي أية أزمات أو عقبات قبل حدوثها بفترة كافية ليضع بعدها الحلول المناسبة لإدارة الأزمات قبل حدوثها، فمن الملاحظ وجود خلل وقصور في مجال التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي من خلال قراءات خاطئة أو غير موفقة في مجال الباحثين عن عمل، والتراخي في علاج مشكلة الباحثين عن عمل من جذورها مما جعلها تتفاقم وتنمو وتتراكم بشكل سريع لتشكل أزمة يصعب حلها في ظل غياب منهج علمي رصين في مجال التخطيط الاستراتيجي لقضية الباحثين عن عمل في مجتمعنا يمكننا هذا المنهج من معرفة مواعيد خروج القوى العاملة من سوق العمل بشكل دقيق لإدخال مدخلات بديلة عنها تحل محل المخرجات و تعطينا في نهاية المطاف نتائج ايجابية سليمة.

 

5.ضعف منظومة المحاسبة والمراجعة والتقييم والنقد للتشريعات والقوانين المنظمة للعمل ولسوق العمل: فالكثير من القوانين والتشريعات المنظمة لسوق العمل بحاجة لتقييم ومراجعة مستمرة لتتواكب مع المستجدات الحديثة في هذا المجال، ومن بين تلك التشريعات قانون العمل العماني الذي ينتظره الجميع، و الذي نأمل أن يكون قانونا منظما للعمل يحفظ لكافة أطراف العمل حقوقهم بشكل عادل ومتوازن، كما يبين لأطراف العمل واجباتهم الوطنية الملقاة على عاتقهم وحقوق العاملين لتطوير منظومة العمل في السلطنة، وفق منظومة الحقوق والواجبات.

 

مقترحات وحلول لعلاج قضية الباحثين عن عمل في السلطنة :

 

بناء على جميع تلك الأسباب الواقعية حول ظاهرة الباحثين عن عمل في السلطنة ، هناك مقترحات كثيرة للحد من تفشي ظاهرة الباحثين عن عمل في مجتمعنا، ومن بين تلك المقترحات القابلة للنقاش والمداولة والأخذ والرد كونها اجتهادات بشرية شخصية قد تصيب وقد تقع في الخطأ نذكر منها التالي:

 

1. مراجعة نظام الأمان الوظيفي: فنظام الأمان الوظيفي بالرغم من كونه خطوة رائدة مقدرة ومشكورة إلا أن هذا النظام بحاجة لمراجعة مستمرة وتطوير وتحديث نظرا للتغيرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية السريعة في المجتمع التي تتسم بالتحول والتغير المستمر، فيجب أن يتم تفعيل جوانب هذا النظام بشكل أفضل خاصة فيما يتعلق بجانب الباحثين عن عمل من الآن و بلا تأخير، ومن بين ذلك صرف إعانة للباحثين عن عمل بشكل عاجل، كون نظام الأمان الوظيفي يحقق الاستقرار والأمان للباحثين عمل وكذلك للعاملين من القوى العاملة الوطنية في كافة قطاعات العمل على حد سواء .

 

2. تأسيس منظومة للأمان الاجتماعي: فيجب أن تصاحب منظومة الأمان الوظيفي منظومة أخرى هي منظومة الأمان الاجتماعي التي تقدم خدمات المساعدة والدعم الاجتماعي المادي والمعنوي للعمالة الوطنية وللباحثين عن عمل على حد سواء، مع مشاركة المجتمع في هذه المنظومة من خلال تغيير بعض الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تثقل من كاهل القوى العاملة الوطنية ومنها سلوكيات الإسراف والتبذير والمغالاة والمباهاة في المعيشة، و تكاليف الزواج المرتفعة التي تؤدي بالعمالة الوطنية إلى الوقوع في براثن الديون الناتجة عن القروض الشخصية الاستهلاكية لفترات زمنية طويلة.

 

3. تأسيس مؤشر رقمي وإحصائي وطني دائم ودقيق لأعداد الباحثين عن عمل، والموظفين على رأس عملهم، والمتقاعدين والخارجين عن نطاق العمل لأسباب أخرى من العمانيين: فيجب وضع منظومة إحصائية إلكترونية رقمية واضحة لعدد الباحثين عن عمل و كذلك للذين هم على رأس العمل، ومن هم خارج نطاق العمل، بحيث يستطيع أفراد المجتمع متابعة ما يحدث في قطاع التشغيل والعمل بشفافية ووضوح، كما تمكن هذه المنظومة الرقمية صناع القرار من إتخاذ قرارات تتعلق بحجم ونسب وأعداد الباحثين عن عمل فعليا في السلطنة، و كذلك التعرف على حجم المدخلات من القوى الوطنية العاملة حاليا في قطاع العمل، وكذلك حجم المخرجات من القوى العاملة الوطنية ( من المتقاعدين والمسرحين عن عمل، والمنهية خدماتهم و غيرها من الفئات )، وبالتالي توظيف وإحلال قوى عاملة وطنية جديدة تعويضا عن تلك المخرجات.

 

4. تبني و تفعيل برامج نوعية وتخصصية لمؤسسات المجتمع المدني الخيرية والأهلية مخصصة للباحثين عن عمل وغيرهم من فئات قوى العمل الوطنية الأخرى: ويتمثل ذلك في قيام المجتمع المدني والقطاع الأهلي في السلطنة بإنشاء مراكز و جمعيات وفرق خيرية متخصصة تقدم خدمات نوعية غير تقليدية، وتقدم كذلك دعما ماديا للباحثين عن عمل ، من خلال تبني القطاع الخيري في السلطنة لمبادرات موجهة خصيصا لدعم ومساندة و رعاية هذه الفئات في مجتمعنا العماني، ومن أمثلة تلك المؤسسات الخيرية التكافلية على سبيل المثال تأسيس جمعيات خيرية لدعم حالات الباحثين عن عمل والمسرحين عن العمل، وفئات القوى العاملة الوطنية من ذوي الدخول المتدنية والمحدودة، وكذلك تأسيس جمعيات ومراكز تجارية استهلاكية أهلية تبيع السلع والبضائع بسعر التكلفة بحيث تساهم تلك المراكز والجمعيات الاستهلاكية في توفير السلع والاحتياجات الأساسية لفئات الباحثين عن عمل، ومن ذوي الدخول المنخفضة من القوى العاملة الوطنية، إضافة لتأسيس برامج دعم مالي ومادي واستشاري للراغبين في تأسيس مشروعاتهم الخاصة، وكذلك دفع قيمة إيجار المحلات وتكلفة الكهرباء والماء وغيرها من المصاريف التشغيلية حتى تتمكن تلك القوى العاملة الوطنية من الثبات وإثبات الوجود في قطاعات العمل المختلفة.

 

5. وضع منظومة أوقاف نوعية مستدامة للباحثين عن عمل وغيرهم من فئات العمل الأخرى: ويتم ذلك من خلال تخصيص أوقاف نوعية متخصصة لدعم فئات الباحثين عن العمل وغيرهم من فئات القوى العاملة الوطنية، فالأوقاف النوعية المتخصصة تحقق تنمية مستدامة تساهم في دعم التدريب والتأهيل للقوى العاملة الوطنية، ودعم فئات الباحثين عن عمل و والمسرحين عن عملهم، ومن أمثلة ذلك تبني مشروع السهمي الوقفي في مجال تشغيل الباحثين عن عمل ودعمهم ماليا وماديا من خلال منظومة الوقف.

 

6. تطوير منظومة التنمية المحلية : حيث أن تنمية المحافطات والولايات تنمويا واستثماريا وخدميا من خلال تطبيق مبدأ اللامركزية يخلق الكثير من فرص العمل للباحثين عن عمل في داخل المحافظات والولايات، ويوفر للباحثين عن عمل فرص التوظيف والتشغيل في أماكن قريبة من سكنهم أو محل إقامتهم مما يوفر عليهم الكثير من الوقت والجهد والمال والانفاق مقارنة بوجود فرص عمل بعيدة عن ولاياتهم أو محافظاتهم، وهذا بدوره يقودنا إلى دراسة إنشاء مناطق إنتاج صناعية ومصانع في كل ولاية من ولايات السلطنة وفقا لطبيعة وظروف وخصائص كل ولاية إضافة إلى المناطق الصناعية التي توجد على مستوى المحافظات حاليا، وتوجه الحكومة الرشيدة حاليا نحو تنمية المحافظات من خلال اللامركزية هو أمر يدعو للتفاؤل في هذا المجال.

 

7. تطوير وتحويل المناطق الصناعية والاقتصادية في السلطنة لمدن صناعية وإنتاجية: فدراسة إنشاء مدن صناعية متكاملة أسوة بما هو عليه في عدد من دول الجوار ودول العالم بدلا عن المناطق الصناعية الحالية، سوف يسهم في تشغيل وتوظيف واستيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن عمل، كما ستوجد تلك المدن الصناعية قوة اقتصادية وقدرة إنتاجية عالية، ومع نقل التكنولوجيا الحديثة لهذه المدن الصناعية ستستطيع تلك المدن الصناعية بدورها المنافسة مع باقي المدن الاقتصادية والصناعية في الجوار الإقليمي وفي العالم.

 

8. تطوير وربط منظومة الإنتاج بغرض التصدير الخارجي: فمن الملاحظ في الكثير من الأنظمة الاقتصادية المتقدمة في العالم التركيز على فكرة إنتاج المنتج بغرض التصدير للأسواق الخارجية وليس فقط بالانتاج من أجل سد احتياجات السوق المحلي في نطاق وحيز اقتصادي ضيق، حتى على صعيد ومستوى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فعندما تتحول مؤسساتنا الوطنية الصغيرة والمتوسطة في السلطنة للإنتاج بغرض تصدير منتجاتها للأسواق الإقليمية و العالمية فذلك سيزيد من القدرة الانتاجية لتلك المؤسسات مما سينعكس إيجابا على مستوى الدخل المالي للعاملين فيها، مما سيساهم في استقرار وثبات العمالة الوطنية في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتجويد المنتج من خلال قدرة ذلك المنتج الوطني على المنافسة العالمية، ويسهم كذلك في تأسيس منتجات وعلامات تجارية عمانية محلية ذات طابع اقتصادي وتجاري عالمي تتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة لأسواق تجارية أرحب، وفي هذا السياق يجب أن يبرز الدور الذي من الممكن أن تلعبه السفارات والقنصليات الدبلوماسية العمانية في الخارج في مجال تهيئة المناخ لترويج المنتجات العمانية الوطنية المنشأ خارجيا، إضافة لإقامة المعارض الخارجية المتخصصة بالمنتجات العمانية التي يتم إنتاجها في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العمانية.

 

9. دراسة إمكانية إنشاء مراكز إرشاد واستشارات عمالية متخصصة في السلطنة: حيث يلعب مجال الإرشاد والتوجيه في مجال العمل دورا داعما في تبصير الباحثين عن عمل حول الفرص الوظيفية و الاستثمارية المتاحة فمجال الارشاد والتوجيه العمالي في عالمنا المعاصر لا يقل أهمية عن مجال الدعم المادي والمالي للباحثين عن عمل.

 

10.تكوين صندوق استثماري لدعم رواتب العاملين في القطاع الخاص: فدعم الحكومة لرواتب العاملين في القطاع الخاص من خلال تأسيس صندوق استثماري أسوة ببقية الصناديق الاستثمارية كصناديق التقاعد مثلا سوف يساهم في استقرار العمالة الوطنية في وظائف القطاع الخاص، والتقليل من عملية دورانها في البحث عن أجور أعلى في أماكن أخرى داخل القطاع الخاص، فمثلا عندما تستطيع مؤسسة ما في القطاع الخاص منح الموظف راتبا معينا وفقا لقدراتها الاقتصادية والمالية والانتاجية، مع تحمل الحكومة جزءا من راتب ذلك الموظف أو العامل الوطني كجزء من منظومة الأمان الوظيفي المقدمة من الحكومة للعاملين في القطاع الخاص فذلك سيقلل العبء عن كاهل صاحب الشركة أو المؤسسة العاملة في القطاع الخاص َ و يساهم في استقرار العمالة الوطنية لديه.

 

11. دراسة إنشاء نقابات مهنية بدلا من النقابات العمالية: فبنظرة إيجابية متوازنة و بعيدة عن السلبيات ووفق قوانين و أطر و تشريعات منظمة ومحددة وواضحة سيساهم تكوين النقابات المهنية في السلطنة بدلا من نظام النقابات العمالية المعمول به في السلطنة حاليا في تعزيز قيم الانتماء المهني والوظيفي للمهنة، وتطوير منظومات الحقوق والواجبات بين أصحاب المهن من جهة وبين العاملين من جهة أخرى ، إضافة إلى إيجاد مناخ و بيئة مهنية منظمة تتوائم مع التوجهات العالمية في مجال إنشاء النقابات المهنية التي توجد في كثير من الأنظمة الاقتصادية في دول العالم المتقدمة.

 

12. إعادة صياغة وهيكلة نظام التعليم بربطه بتخصصات سوق العمل: بالرغم من وجود جدلية فرضية التعليم من أجل التعليم أو فرضية التعليم من أجل سوق العمل، إلا أن هناك علاقة واضحة بين منظومة التعليم ومخرجاتها وفقا لمتطلبات واحتياجات سوق العمل، وهذا يقودنا لضرورة مراجعة وتحديث منظومة التعليم ككل في جميع مراحله ابتداء من منظومة التعليم العام الأساسي وما بعد الأساسي ومراحل التعليم الجامعي المختلفة، وذلك يتطلب أيضا مراجعة شاملة و إعادة النظر في المناهج والمساقات والمقررات الدراسية التي يدرسها الطلاب، بحيث تتضمن هذه المناهج والمساقات الدراسية تنمية مهارات العمل التقني، ومهارات التواصل اللغوي وغيرها من مهارات التواصل، ومهارات الثورة الصناعية الرابعة، وثورة المعلومات والاتصالات، وإدارة الأعمال، ومهارات الحاسب الآلي والرياضيات التطبيقية الاقتصادية، إضافة إلى اعتماد تدريس المواد والمساقات العلمية والتقنية والتطبيقية التخصصية باللغة الانجليزية باعتبارها اللغة المعتمدة عالميا في مجال الاقتصاد وإدارة الأعمال في ظل العولمة، مع عدم إهمال اللغة الأم في مجال التعليم كونها وسيلة لتواصل القوى العاملة الوطنية مع المتحدثين باللغة الأم، إضافة لتدريس مهارات و لغات أخرى ذات علاقة بسوق العمل العالمي، وكذلك إعادة النظر في الأدوار والاختصاصات الوظيفية لوظيفة أخصائي التوجيه المهني في مدارس التعليم العام لتكون اكثر فاعلية في مجال التوجيه المهني والإرشاد الوظيفي، كما نؤكد في هذا السياق على أهمية استغلال الإجازة الصيفية لطلبة المدارس الاستغلال الأمثل في مجال التدرب في مراكز تعليمية وورش عملية مهنية تكسب ذلك الطالب مهارات مهنية يدوية وحرفية تساهم في صقل وتطوير مستقبله المهني .

 

13. ربط تسهيلات ودعم المؤسسات والشركات في القطاع الخاص بقضية التعمين فيها: فكلما أنجزت تلك المؤسسات والشركات إنجازات ملحوظة في مجال تعمين المهن والوظائف فيها كلما حصلت بالتالي على تسهيلات وامتيازات حكومية، وهذا سيسهم في اهتمام تلك الشركات بقضية التعمين.

 

14. تنويع مصادر الدخل والتركيز على الاستثمار الداخلي: فتنويع مصادر الدخل في الدولة بدلا من الاعتماد على مصدر واحد ناضب سيساهم في خلق وظائف كثيرة في مجالات اقتصادية متنوعة ومنها القطاع الزراعي الذي يحول المادة الزراعية الخام لمادة انتاجية مصنعة قابلة للتصدير والمنافسة، إضافة لقطاع السياحة الداخلية بمختلف أنواعه، وقطاع الثروة السمكية، وقطاع المعادن، والاهتمام بتطوير خدمات محطات الوقود العاملة في السلطنة، مع الاهتمام بالاستثمار الداخلي أسوة بالاهتمام بالاستثمار الخارجي وجلب الاستثمارات الأجنبية، فالاستثمار الداخلي الوطني يوظف عمالة وطنية داخلية، ومن خلال التوسع والتمدد الاقتصادي من خلال افتتاح فروع خارجية لمصانع وشركات عمانية في عدد من دول العالم تابعة للاستثمار الداخلي ستتمكن العمالة الوطنية العمانية المدربة والماهرة من العمل في تلك الفروع الخارجية في مختلف دول العالم لكن تحت إدارة قطاع استثمار داخلي وطني، فتصدير العمالة الوطنية المدربة للعمل في مؤسسات ومصانع عمانية في الخارج سيساهم في إكساب القوى العاملة الوطنية كذلك الكثير من المهارات والخبرات في تلك البلدان، وسيسهم ذلك أيضا في استيعاب العمالة الوطنية في أسواق جديدة بدلا من تركزهم حاليا داخل إطار سوق العمل المحلي، كذلك فإرسال بعثات من القوى العاملة الوطنية لعدد من الدول الصناعية المتقدمة للتدرب على التكنولوجيا وبيئة العمل في تلك الدول ونقل أثر التدريب وتلك التكنولوجيا للسلطنة سيساهم في تطوير منظومة العمل الانتاجي في السلطنة .

 

15. الاهتمام بمجال البحث العلمي والابتكار في مجال تكنولوجيا الانتاج: فمثل هذه المشاريع البحثية التطبيقية المتعلقة بمجال العمل والتكنولوجيا الصناعية على يد الباحثين العمانيين سيجعلنا منتجين ومصدرين للمعرفة بدلا من إستيراد المعرفة والتكنولوجيا حاليا.

 

16. ضرورة وجود مركز علمي وبحثي متخصص في الدراسات والتخطيط الاستراتيجي في مجال العمل في السلطنة: فمثل هذا المركز البحثي سيساهم في التخطيط الاستراتيجي للباحثين عن عمل وللقوى العاملة الوطنية في سوق العمل بشكل علمي منظم ومدروس.

 

17. ضرورة دعم المواطن المستهلك وأصحاب رؤوس الأموال الوطنية للقوى العاملة الوطنية من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة: فالمواطن شريك أساسي في الحفاظ على الاقتصاد الوطني العماني، وتنبع تلك الشراكة من منطلق التكافل الاجتماعي من قبل المستهلك العماني مع بقية إخوانه العاملين العمانيين المخلصين من أصحاب الريادة والمبادرات والعمل الحر الشريف في بلادنا الذين نكن لهم كل التقدير والاحترام على جهودهم المخلصة ومبادراتهم الناجحة في سوق العمل ، فشراء المستهلك العماني من القوى العاملة الوطنية يحد من عملية تحويل العملة الوطنية إلى خارج السلطنة ، كما أن على أصحاب رؤوس الأموال من العمانيين تأسيس مزيد من الوكالات التجارية العمانية والمؤسسات التجارية الوطنية كالجمعيات العمانية الاستهلاكية الوطنية المساهمة التي تدار من قبل المواطنين الأمناء و المخلصين والأوفياء لهذا البلد المعطاء الذين يقومون بتوظيف وتشغيل القوى العاملة العمانية الوطنية، وهذا بدوره سيؤدي لاستقرار القوى العاملة الوطنية في العمل، مع عدم إغفالنا لدور العامل العماني في أن يثبت وجوده في عالم التجارة والاقتصاد و ريادة الاعمال من خلال تجويد عمله و تحسين طريقة عرض منتجاته ، وتنويعها والترويج لها بمختلف الوسائل لكي يصل لمرحلة المنافسة مع الأجنبي وليستقطب مزيدا من المستهلكين من أبناء بلده.

 

18. تطوير أدوات التمويل الوطني الموجه للباحثين عن عمل لإنشاء مشاريعهم التجارية و الاقتصادية الخاصة: فالبنوك العاملة في السلطنة والتي من بينها بنوك الصيرفة الإسلامية وصناديق التمويل وغيرها من مؤسسات التمويل يجب أن تتبنى برامج مسؤولية اجتماعية موجهة خصيصا للباحثين عن عمل من خلال طرح منتجات مصرفية وتمويلية نوعية متخصصة للباحثين عن عمل وتبني نظام القرض الحسن وطويل الأجل، بحيث تساعدهم تلك المنتجات والتسهيلات المصرفية في تأسيس مشروعاتهم الاقتصادية والتجارية بكل يسر وسهولة ، ومن الممكن في هذا المجال دراسة مقترح إنشاء صندوق وطني لدعم الباحثين عن عمل لتأسيس مشروعاتهم الخاصة بهم وتحقيق طموحاتهم و مبادراتهم وآمالهم في هذا المجال، و من الممكن تسهم في هذا الصندوق المؤسسات المالية العاملة في السلطنة كجزء من برامج دعم المسؤولية الاجتماعية المناط بمثل هذه المؤسسات المالية والمصرفية.

 

19.مراجعة التشريعات والأنظمة المعمول بها حاليا المتعلقة بنظام الأجور و بالحوافز ونظام التأمينات الاجتماعية ونظام التقاعد في القطاع الخاص: حيث نلاحظ عزوف الكثير من الباحثين عن عمل عن العمل في مؤسسات القطاع الخاص في السلطنة بسبب تدني الأجور، والحوافز، و الترقيات، وتدني معاشات ما بعد الخدمة للعاملين في القطاع الخاص في نظام التأمينات الاجتماعية، إضافة إلى تدني المبلغ التقاعدي في نظام التقاعد في القطاع الخاص مما يجعل بيئة العمل في القطاع الخاص غير جاذبة للكثير من الباحثين عن عمل، فمراجعة مثل هذه التشريعات والأنظمة أصبحت ضرورة ملحة، حيث ينبغي أن يبنى نظام الترقيات، والحوافز و نظام التقاعد في القطاع الخاص وفق أسس تحفز الباحث عن عمل على الانخراط في العمل القطاع الخاص وتضمن له حياة معيشية كريمة بعد انتهاء خدمته.

 

20.عمل مؤتمر حوار وطني شامل حول قضية الباحثين عن عمل في السلطنة: يشارك في هذا المؤتمر كافة شرائح المجتمع والخبراء والمختصين من أجل وضع خارطة طريق اقتصادية واضحة في مجال التوظيف والتشغيل، ويخرج هذا المؤتمر بقرارات وتطبيقات فاعلة قابلة للتطبيق في الواقع.

 

ختاما، حفظ الله عمان آمنة مستقرة، وحفظ سلطانها المفدى عزيزا جليلا مهابا، وحفظ لعمان الخير اقتصادها الوطني وقواها العاملة الوطنية المخلصة، وحفظ الله لها كيانها ونسيجها الاجتماعي والاقتصادي ووحدتها الوطنية.