هارون بن سالم الحسيني يكتب: إدارة المعرفة وتطور المؤشرات الثقافية وأثرها على المجتمع

هارون بن سالم بن ناصر الحسيني


تنمو المعرفة بشكل متسارع لا يعترف بالحدود والمسافات، والثقافات تتغير وتتطور بدرجة من التسارع يصعب معها التكهن بما ستكون عليه في المستقبل القريب، لقد أتيح للبشرية اليوم وبفضل الانترنت قدر هائل من المعرفة لم يكن متاح من قبل.

الثقافة هي نتاج تفاعل الأفراد والجماعات مع المعارف المتطورة التي تضبط سلوكهم وتوجه أنشطتهم وتحدد سبل تعاطيهم مع معطيات واقعهم اليومي، ذلك لأن معرفة الفرد بقضايا مجتمعه ترفع من مستوى إدراكه بطرق التعامل معها والتفاعل مع مجرياته وهو ما يدفعه إلى التطوير المستمر لمعارفه وبالتالي صنع ثقافة جديدة لم تكن سائدة أو حتى مقبولة من قبل، وذلك لا يعني أن هذه الثقافة سيئة أو حسنة، ولا يعني كذلك أن الثقافة الجديدة لا تعترف بقيم المجتمع وتراثه، بل من خلال توجيه المعرفة يمكن أن تولد ثقافة جديدة في كنف الثقافة الأم، تستقي منها القيم والمبادئ وتظيف إليها ما يمكن إظافته مستفيدة من النتاج المعرفي الهائل الذي يشهده العالم اليوم، ومن هنا فإن الوفرة في المعلومات والبيانات وتأثير مظاهر العولمه الحتمي على الثقافة والسلوك؛ كل ذلك يضع إدارة المعرفة ضمن الأولويات الإجتماعية لكونها أحد موجهات السلوك البشري ومكونات الثقافة المجتمعية.

إدارة المعرفة يتم من خلال توفير المعلومات والبيانات ومراقبة مواردها وتوجيه وتطوير إمكانيات مجتمعاتنا في الإستفادة منها، بل وتشجيع أنفسنا وأبنائنا على المشاركة في إنتاج المعرفة والمعلومات والمساهمة في نشرها للعالم، قد نكون متأخرين قليلاً في فهم الوسائل التي تمكننا من الوصول إلى هذه المراحل المتقدمة من إدارة مواردنا المعرفية، بدءً بالاستفادة من المعرفة ونهاية بالمساهمة في إنتاج الصناعات الثقافية والإبداعية والمشاركة في المرحلة الحالية من مسيرة بناء الحضارة الانسانية.

إعترافنا بالمشكلة قد تكون بداية تحليلها والنظر في الحلول المناسبة لها، نحن فعلاً ما نزال في مرحلة البداية في مجال الانتاج الثقافي والمعرفي والفني من حيث الحجم والنوع مقارنة بالدول المتقدمة في أوروبا وأمريكا وفي أجزاء من القارة الآسيوية وأفريقيا، لن أستعين بالأرقام التي لا أرى ضرورة لطرحها لتأكيد الفارق في حجم الانتاج في شتى أنواع المعرفة تجنباً للإطالة، ولكن سأنتقل في الطرح مباشرة إلى حاجتنا الشديدة للنظر في واقع مشهدنا الثقافي والمعرفي، والنظرة الفاحصة تحتاج إلى أدوات ومؤشرات فاحصة لواقع هذا المشهد، مؤشرات توجه جهودنا وطاقاتنا إلى الوجهة المراد لنا الوصول إليها، ولصياغة مؤشرات ثقافية تتوافق مع هويتنا يمكن لنا أن نضيف على المؤشرات الثقافية المتبعة في دول أخرى ونبتكر مؤشرات ثقافية تتوائم مع واقعنا ونستفيد مما تمتلكه اليونسكو كمنظمة عالمية للتربية والعلم والثقافة من خبرات وتجارب في صياغة وبناء تلك المؤشرات.

المركز الوطني للإحصاء والمعلومات يقوم بجهود كبيرة في وضع المؤشرات المكانية والوطنية والمؤشرات الإجتماعية والسياحية والاقتصادية والكثير من المؤشرات المهمة في تطوير وتحسين جودة الخدمات وتوجيه جهود التنمية ورفع جودة الحياة للمواطن، ولكننا ما نزال بحاجة إلى المؤشرات التي تعنى بالشأن الثقافي المحلي، فبالرغم من وفرة الأنشطة الفنية وكثافة الحراك الثقافي وتزايد حجم ونوع الإنتاج في مختلف المجالات الفنية والثقافية إلا أننا لا نرى المؤشرات الثقافية التي تتوافق مع هذا الزخم الثقافي.

على المستوى الدولي توجد مجموعة من الدراسات حول هذه المؤشرات وكيفية استخدامها والبيانات المستهدفة، فقد تطورت تلك المؤشرات بشكل سريع، وتطورت الجهات المعنية بصياغتها ونشرها والإشراف عليها وكذلك تطورت سبل الاستفادة منها في فهم الاتجاهات الثقافية السائدة في المجتمع ومعرفة السلوكيات الإجتماعية المرتبطة بالثقافة والفنون، ومن أهم المؤشرات حالياً مؤشر بوسطن التابع لمؤسسة بوسطن للإبداع والابتكار، ومؤشر المجتمع الإبداعي للمبادرات الثقافية التابع لوادي السيليكون.

ما تزال المزيد من الجهود تبذل من أجل تطوير وتحسين تلك المؤشرات على مستوى العالم في دول مثل أمريكا وكندا وقطر ودول أخرى، ويستفيد في الغالب من تلك المؤشرات رواد الأعمال من خلال خلق فرص وأسواق ومجالات أعمال جديدة مرتبطة بالثقافة والفنون والمعرفة، كما تساعد تلك المؤشرات الحكومة في وضع الاستراتيجيات التنموية بناء على قاعدة بيانات واضحة.

مع الاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي يمكن ملاحظة أن تلك الوسائل تؤثر في سلوك أفراد المجتمع بشكل كبير، ونلاحظ أيضاً أن الجزء الأكبر من أفراد المجتمع وبشكل خاص فئة الشباب يتلقون معلوماتهم ويشكلون أفكارهم وتوجهاتهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي، لذلك نسمع كثيراً بين فئة الشباب كلمة “ترند” وهي إشارة للتعبير عن سلوك مؤقت دارج بين أفراد المجتمع وخاصة الشباب نحو سلعة أو خدمة معينة أو إنتشار صيحة جديد في المجتمع لفترة زمنية معينة، لذلك فإننا بحاجة لمؤشرات تساعد رواد الأعمال في تقصي توجه الشباب الفني والثقافي، ويبقى الدور بربط تلك المؤشرات الثقافية بمفاهيم جودة الحياة والتنمية المستدامة والانتاج وغيرها من المفاهيم الاقتصادية ذات الطابع الاجتماعي على رواد الأعمال أنفسهم.

صناع الفنون والثقافة أيضاً بحاجة إلى المؤشرات الثقافية لقياس مساهمة الانتاج الفني والثقافي في الناتج المحلي الاجمالي، وذلك ليتمكن رواد الأعمال الشباب من قراءة وتحليل المؤشرات الثقافية وتقصي احتياجات المجتمع من الخدمات الثقافية والفنية، وتوجيه الصناعات الثقافية والفنية وفق تلك المؤشرات، وتوفير الخدمات المسادنة لتلك الصناعة وفق ما تشير إليه تلك المؤشرات.

يمكن أن تشمل المؤشرات الثقافية مقياس للوظائف المتوفرة في مجال الصناعات الثقافية والفنية، والوظائف التي يمكن توفيرها مستقبلاً في هذا المجال، وكذلك مقياس لمساهمة الفنون والثقافة في بناء المجتمع، وتوثيق أنشطة وفعاليات الفنون المجتمعية، والتخطيط للمشاريع الثقافية والتعرف على تطلعات وتوجهات النخب الفكرية والكتاب والأدباء واهتماماتهم واستقطابهم والاستفادة من جهودهم وإمكانياتها وإبداعاتهم وابتكاراتهم في مجال الثقافة والعلم والمعرفة، ودفع عملية التفاعل المتبادل بين المفكر والمجتمع.

ترتبط المؤشرات الثقافية غالباً بالهندسة الثقافية وهي النظم والعمليات والبدائل والحلول الإبداعية لمواجهة التحديات من أجل تطوير المؤسسات الثقافية، حيث يمكن من خلال قراءة وتحليل تلك المؤشرات وضع الخطط الوطنية وتصميم مشروع ثقافي متكامل وبالاستفادة من تلك المؤشرات يمكن تحديد المشكلات الثقافية وتوجيه التمويل والدعم وفق نتائج تلك المؤشرات.

أود أن أشير عزيزي القارئ إلى بعض المشاريع الثقافية الكبرى في سلطنة عمان والتي يمكن الاعتماد عليها في إنشاء صناعة ثقافية وفنية وتطويرها ودعمها من أجل بناء مجتمع منتج مساهم في الحراك الثقافي العالمي ومساهم في صناعة الثقافة، وأذكر من المبادرات الشخصية رواق عالية الذي يعد عالمًا من الجمال والابداع ومدرسة ثقافية منفردة برونقها وتميزها، ومن الجهات الداعمة للثقافة النادي الثقافي العماني والمجمعية العمانية للكتاب والأدباء والجمعية العمانية للسينما والمسرح، ومن الأنشطة والفعاليات التي يتوقع لها مستقبلاً مشرقاً في عالم الفن مهرجان شبابيك للسينما المستقلة الذي بدأ هذا العام نسخته الأولى، وفي الختام فإنني أعتقد بأن المؤشرات الثقافية ذات أهمية للمؤسسات الثقافية الخاصة والحكومية وللمجتمع وللمهتمين بالشأن الثقافي في سلطنة عمان.