محمد الحراصي يكتب: جولة في بلاد الأزتيك واستكشاف الطبيعة المكسيكية

محمد الحراصي
عندما تقرر السفر عادة يجب أن تجيب أولا عن سؤالين : لماذا؟ ولأي غرض؟
– لماذا اخترت المكسيك؟
لأن لدي شغف قديم باستكشاف دول أمريكا الجنوبية واللاتينية والاطلاع على حضارات المايا والأزتيك وسماع رنين اللغة الإسبانية بلهجتها الأمريكية الموسيقية والاندماج في تلك الثقافة المميزة كما قرأناها في كتابات ماركيز وشاهدناها صغارا في المسلسلات.. ونظرا للظروف الحالية التي يمر بها الكوكب وتعقيدات السفر فلم يبق من الخيارات إلا القليل وأنسبها – أجملها كذلك – المكسيك.
– السؤال الثاني: لأي غرض تسافر ؟
يسافر الكثيرون لأجل المزارات السياحية المشهورة كالحدائق والمتاحف والملاهي.. أما شخصيا فأميل أكثر للمغامرة والاستكشاف إضافة للتعرف على الحضارات القديمة والوقوف عليها.
بعد النزول بالمطار في تمام التاسعة مساءً وبعد أن كاد يتم إيداعي مع مجموعة من المسافرين محشورين في غرفة ضيقة ليتم استجوابهم عن سبب زيارتهم – لا أدري هل للأمر علاقة بالفيزا حيث كنت أحمل فيزا شنجن فقط؟ – ثم وجدت نفسي بسيارة الأوبر متجها نحو الهوستيل، لأصله بعد الساعة العاشرة. pinchevenancio هذا هو اسم الهوستيل واستقبلتني العجوز وزوجها مع كلبهما الضخم كأنه عجل صغير وبمزيج من الإنجليزية و الإسبانية استلمت الغرفة العلوية على صخب الاحتفالات الليلية من البنايات المجاورة بمناسبة يوم الموتى Dia de muertos الذي يصادف يومي الحادي والثاني من نوفمبر.
مزيد من مظاهر هذه الاحتفالات شهدتها صباح اليوم التالي حيث قررت تغيير خططي وإرجاء المغامرات الاستكشافية يوما واحد لأشهد هذا الحدث السنوي الأشهر في البلاد والذي لم يكن في بالي ساعة قررت السفر إلى بلاد الأزتيك، بعد نوم متقطع نتيجة ارتباك الساعة البيولوجية قادتني قدماي – أو النقل العام بمعنى أصح- إلى ساحة الدستور حيث وضعت تماثيل لهياكل عظمية ومجسمات بشرية للموتى وعلمت أن الموسيقى والصخب سيأتي أوانه مساء لذا اتجهت إلى ضاحية Coyoacan الجميلة حيث تقام المظاهر الرزينة للاحتفال فتوضع صور المتوفين بجانب الورود والشموع. أما في ساحة الدستور – وأظنه نفس المكان الذي شهد تصوير افتتاحية فيلم جيمس بوند Spectre- فقد بدأت العروض الموسيقية منذ العصر في منصة أقيمت لهذا الغرض بينما تراص آلاف الناس بالساحة وسط فرق الأزياء و ملوني الوجوه، لم أمكث طويلا بل فضلت العودة لنيل قسط من الراحة استعدادا لمغامرة الغد، وفي مدخل استقبال الهوستيل كان خوانيتو الكلب الضخم ينتظر بنباحه العالي تحفزا لأي قادم جديد بينما صاحبه يناديه مهدئا وحينما دخلت وتعرف عليي استكان وهدأ.
حان الوقت الآن للحديث باستفاضة عن المكسيك للباحثين عن متعة الاستكشاف البري والتجوال الجبلي، ولنبدأ بالقول أنه بلد يمتاز بوفرة عالية جدا من الأماكن الطبيعية لمحبي الاستكشاف ولا بد من المكوث فيه وقتا طويلا للإحاطة بالقليل من هذه الأماكن، أما أنا فبعد أن قمت بتعديل الخطة الأصلية – بعد وصولي- والتي كانت تتضمن زيارة Chiapas و سان كريستوبال وما جاورهما مثل أخدود سوميديرا ووادي المياه الزرقاء Agua Azul، أقول بعد هذه التغييرات قررت استكشاف المناطق القريبة من العاصمة فقط، كانت الخطة الأصلية أن أزور جبل monte tlaloc القريب من بلدة النهر البارد rio frio ثم طلوع جبل nevado de toluca بقمته ذات البحيرتين وجوه البارد الثلجي، ولكن بناء على رأي الأصدقاء المكسيكيين قمت بتغيير الخطة إلى المحمية الجبلية Dinamos ثم صعود الجبل البركاني Iztapopo أما بلدة Tepoztlan فقد بقيت كما هي حسب الخطة وقد كانت هي وجهتي الأولى بعد مضي يوم الموتى.
تبعد عن العاصمة ما يقرب من ساعة ونصف، وعليك أن تصل إلى محطة Chabacano ومنها تأخذ خط المترو المتجه إلى محطة Taxquena للحافلات حيث تأخذ تذكرة باتجاه واحد إلى tepoztlan وعند الوصول مشينا لعشر دقائق نازلين إلى البلدة وقبل الوصول إلى الدرجات التي تصعد الجبل، لفت انتباهي أشياء ثلاثة : 1- جداريات مرسومة لأطباق طائرة حيث ادعى الكثيرون رؤيتهم لها حيث يرغب الفضائيون لسبب ما في زيارة لةالهرم الأزتيكي بأعلى الجبال. ٢- كثرة المحلات على جانبي الطريق ونظافة المكان الشديدة ٣- سوق المطاعم الشعبي الذي توقفنا فيه و تناولنا وجبات شعبية وأخذت انا لاكويو بالجبن وتماليس الذي هو عبارة عن ذرة مطحونة ومطهوة بالماء الساخن.
.
 وإذن فقد وصلنا لنهاية البلدة عند سفح الجبل حيث مزيد من أكشاك الباعة وبدأنا الصعود باتجاه الهرم، استمر المسير الجبلي لما يقرب من ساعة ونصف صعودا بينما كانت تكفي نصف الساعة لبلوغ مدخل الهرم ولكن وجدناه مغلقا – ربما لحسن الحظ- حيث أن لوسيو أخذنا إلى طريق جبلي يستدير من الخلف ليبلغ قمة جبل آخر يطل مباشرة على الهرم من الأعلى في منظر بديع ترى من خلاله الجبال الشامخة والقرى البعيدة في الأفق. كانت المغامرة شيقة بحق وأجمل ما فيها الطبيعة الفريدة والآسرة حيث تصعد الجبل وتظلك الأشجار على طول المسار وكذلك بالأعلى ترى الجدران الجبلية والارتفاعات الشامخة أسفل منك.
مضى باقي اليوم في التجوال بمدينة مكسيكو والتوجه نحو سوق خامايكا الشعبي حيث تعرض شتى السلع من غذاء وملابس وتحف وغيرها بأسعار في متناول اليد، وعندما حل صباح اليوم الثاني ببرودته النوفمبرية كان القرار قد استقر على وجهة Los Dinamos المنطقة الجبلية التي صارت محمية طبيعية وطنية بمساراتها الكثيرة ذات التضاريس الصخرية المعشوشبة والتي تستهوي هواة المشي والركض و المغامرات، كان خيار النقل العام يأخذ ما يقرب من ساعة ونصف بسعر زهيد ولكن يلزم تبديل ثلاث حافلات للوصول إلى الوجهة ناهيك عن أوقات انتظار الحافلة إضافة لعامل الشك الدائم بخصوص ركوب الحافلة الخطأ لذلك وتوفيرا للوقت قمت بطلب سيارة Uber وكان الوقت المستغرق للوصول ٤٠ دقيقة بتكلفة عشرة دولارات. أما وصف جمال Los Dinamos الطبيعي فليس سهلا حيث الأودية والشلالات ومتعة الاستكشاف، أضف إلى ذلك برودة المنطقة التي تلزمها ملابس ثقيلة لبث الدفئ بالجسم ثم لك بعد ذلك حرية الوصول إلى البعد الذي ترغب فيه حسب ما يسمح وقتك ولياقتك ومدى رغبتك في مزيد من الاستكشاف.
 باليوم الذي تلاه قررت زيارة واحد من أشهر أهرامات الأزتيك بعد هرم(تشتيشن إيتزا) الذي ألغيت رحلتي إليه للأسف، وبقطار المترو رقم 3 ننزل بآخر محطة وهي Indios Verdes ومنها نتجه نحو موقف الحافلات بالأعلى ونسأل عن الحافلة المتوجهة نحو سان خوان San Juan يستمر مسير الباص لأكثر من ساعة وتذكر أن تخبر السائق بأنك قاصد لهرم تيوتي واكان teotihuacan حيث سوف ينزلك عند البوابة الأولى ومنها ستدفع تذكرة الدخول نحو الهرم الشهير والمناطيد الكثيرة المحلقة حوله، عند العودة تجنب الخطأ الذي وقعت فيه واسأل عن البوابة الثانية التي تمر بها الحافلة كل نصف ساعة بدل البوابة رقم واحد والتي يمر بها الباص خمس مرات في اليوم فقط.
 أما الفوهتان البركانيتان Popo و Itza فلهما قصة أسطورية بالفلكلور الأزتيكي فأحدهما هو اسم لابنة الملك والآخر اسم لقائد الفرسان الشاب الوسيم، وللوصول إليها والاستمتاع برحلة استكشاف جبلية حتي القمة الثلجية القريبة من فوهة Itza فعليك استقلال الحافلة بعد الوصول إلى محطة TAPO حيث من خلال بوابة Volcanes ستتوجه نحو بلدة Amecameca و تأخذ سيارة الأجرة نحو الأعلى حتى paso de Cortés.
الخيار الأحسن لك هو أن تتصل قبل يوم – أو أكثر – وتحجز تصريحا لدخول سيارة الأجرة حتى لا خويا La Joya وبذلك تكون قد اختصرت ساعتين من المشي وتبقى لك ساعة باتجاه القمة الثلجية، وعند العودة تمشي ثلاث ساعات إلى PASO DE CORTÉS بمعنى أنك ستقطع الطريق بين لاخويا و باسو دي كورتيز مرة واحدة فقط في طريق العودة وبذلك لن تفوت تلك المناظر الجميلة وبنفس الوقت ستختصر الوقت.
أما لو كنت مثلي تجهل ضرورة الحجز المسبق فستضطر إلى النزول بـ باسو دي كورتيز ومنها تبدأ المسير.
 سترى كثيرين قد جاءوا بسياراتهم وأحضروا أدوات التخييم، لذلك فإن أردت يمكنك استئجار سيارة والحضور قبل ليلة من موعد المغامرة ونصب الخيمة للمبيت.
الآن بعد أن انتهينا من سرد أحداث الرحلة الاستكشافية نأتي للحديث عن البلد بشكل عام، البلد الذي عاش فيه الكولومبي ماركيز- صاحب نوبل ومؤلف مائة عام من العزلة والحب في زمن الكوليرا – جلّ حياته وله مزار ومتحف خاص بالعاصمة، كذلك تشتهر المكسيك بعصابات الكورتيل والزعيم الأشهر إل تشابو، فرغم أن الماريوانا تباع بشكل قانوني في المكسيك ويحق لكل مواطن زراعة خمس نبتات منها إلا أن مهمة العصابات هي تهريبها إلى الولايات الأمريكية، كذلك تشتهر البلد بزراعة وإنتاج التاكيلا المشروب الكحولي المشهور. العاصمة مكسيكو سيتي( سيوداد دي مهيكو) يقطنها ما يقرب من عشرين مليون شخص وبها شبكة مواصلات فوق وتحت-أرضية واسعة تنافس مثيلاتها بأوروبا وأمريكا، والأكلة الأشهر لديهم هي(التاكو ) المصنوعة من رغيف الذرة – الذي ليس له طعم مميز يشجعك على إعادة أكله – وفوقه لحم مفروم وبعض الخضار، ويتم إعداده في صاج كبير للطبخ.
يمكنك دخول البلد بفيزا الشنجن الأوروبية والشعب ودود واجتماعي ويلزمك دراسة القليل من الإسبانية للتواصل معهم إذ نادرا ما تجد من يتحدث الإنجليزية.