صناعة المنتج الثقافي في سلطنة عمان.. المفهوم وسبل التعزيز

العمانية – شؤون عمانية

المتتبع لماهية المنتج الثقافي سيجد ذلك الارتباط الوثيق بينه وبين ما يسمى بـ”الصناعات الثقافية”، وبحسب التصنيف العالمي الدولي الخاص باليونسكو على سبيل المثال فإن المنتجات الثقافية عالميًّا تكون عادة حاملة لمعاني الهوية والقيم، وفي ذات الإطار هي بمثابة عوامل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول، كما لا ينفصل الارتباط بالإبداع الثقافي إجمالا عن واقع المنتج الثقافي ذاته، خاصة إلى ما علمنا أن ذلك الإبداع هو عبارة عن الأفكار والمبادرات والرؤى الجديدة لمواجهة التحولات والتحديات الاجتماعية والسياسية مرورًا بالثقافة على وجه الخصوص.

وفي هذا السياق كان التتبع لأفكار القائمين على المؤسسات الثقافية والفنية في سلطنة عُمان، ومعرفة الكيفية الخاصة لتعزيز صناعة المنتج الثقافي والأسس التي من الممكن أن توجد الأفكار والمبادرات لمواجهة التحديات والتحولات الاجتماعية والسياسة وحتى الاقتصادية والفكرية في هذا الشأن.

ويقول الدكتور محمود السليمي رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي: “لابد لنا من الإلمام بمصطلح / المنتج الثقافي/ خاصة وأن لدينا مصطلحي الصناعة والثقافة، وهنا نعود إلى تعريف اليونسكو الذي يشير إلى أن المنتج الثقافي لابد أن يكون حاملًا للهوية والقيم والدلالات ويقود إلى عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وحتى نستطيع استثمار ما تزخر به سلطنة عُمان من تنوع ثقافي فإنه يتطلب العمل على تشجيع وبناء صناعة ثقافية تحمي هذه الهوية وتحملها إلى الآخر.

ويضيف السليمي: هذه الصناعة الثقافية تستدعي إبداعا ثقافيا وخيالًا واسعًا يعمل على إنتاج أفكار ومبادرات جديدة، ضمن رؤية واضحة تقوم على مواجهة التحولات المختلفة ومزودة باستراتيجية تعينها على مواجهة التحديات المصاحبة لهذه التحولات سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا مما يتطلب وضع خطة إعلامية تعريفية مبدعة تستخدم وسائل الاتصال الحديثة التي تتجدد يومًا بعد يوم.

ويشير السليمي إلى أن المنتج الثقافي والصناعة الثقافية هما حسب منظور البعض في الدراسات الأدبية مصطلحان مزدوجا الدلالة فهما منتجان حاملان للهوية مشبعان بالقيم حيث تشمل هذه الصناعة إعادة إنتاج كل مفردات الثقافة بأبعادها المختلفة المادية وغير المادية سواء كان ذلك عبر المسرح أو السينما أو الأفلام ذات الصلة بالتراث الحضاري، واستثمار مفردات التراث المادي التي تزخر بها سلطنة عُمان، حتى الطبيعة إن صح الحديث، بجمالها وسهولها ووديانها وحقولها، مرورًا بالأماكن الأثرية والعادات والتقاليد والفعاليات الشعبية، كلها مفردات ثقافية ينبغي أن نعمل على صناعتها والحفاظ عليها حتى لا تصاب بتشويه بعد أن تتحول إلى منتج ثقافي ووجهات سياحية وهنا يأتي دور الجهات الفعالة في الدولة الناظمة لهذه المسيرة عبر استثمار اقتصادي مخطط يراعي توزيع هذه المفردات والمعطيات لجذب سياحي استثماري له مردوده في اقتصاد الوطن.

ويوضح الدكتور محمود السليمي أن الاهتمام بصناعة النشر للمنتجات الثقافية العُمانية في الكتب والسينما والأفلام التي تعرض التاريخ والطبيعة والقيم العُمانية الأصيلة التي يشيد بها القريب والبعيد، كل هذا وغيره يسهم في دعم الهُوية الثقافية وما تزخر به سلطنة عُمان عبر تاريخها العميق مكانيًّا وزمانيًّا وبذلك نستطيع بلورة ثقافة عُمانية منتجة تحافظ على هويتها واستقلالها، فالصناعة الثقافية قيمة قبل أن تكون رافدًا اقتصاديًّا.

ويضيف أن هناك عقبات وتحديات لابد من الاعتراف بها أولًا ومن ثم العمل على تذليل صعابها ثانيًا، ومن أهم هذه التحديات، صعوبة تسويق المنتج الثقافي في ظل منافسة وتحديات كبرى تواجهه، مع عدم قيام خطة واضحة الدلالات للتسويق، والافتقار إلى الإنتاج الثقافي الذي يلائم طبيعة العصر ومتطلبات التنمية، وعدم إعطاء الفرصة للقادرين على ذلك، لغلبة الثقافة التقليدية، والكلفة المالية والاشتغال على تجديد المنتج الثقافي بما يتناسب مع التحولات المعاصرة لإعطائه صفة الجاذبية والجمال، وعدم وجود سياسات للتسويق واضحة المعالم والأهداف.

من جانبها تشير الدكتورة كاملة بنت الوليد الهنائية وهي مختصة في الفنون المسرحية وبرامجها إلى كيفية تعزيز صناعة المنتج الثقافي في سلطنة عُمان وهنا تقول بشكل واقعي: يأتي ذلك بصياغة ثلاثة أهداف رئيسة أمام صناعة الثقافة بمفهومها الواسع وهي، تعليم جيد يربط الثقافة بالتطبيق والممارسة الحياتية بمناهج تدرس في المدرسة ويستكمل التخصص للطالب الجامعي في الصناعات الإبداعية، مع تهيئة التشريع المرن والبيئة الحاضنة لافتتاح ونمو واستدامة المشروعات الثقافية بمختلف أنواعها، مع التحفيز والتكريم لأصحاب المشروعات الثقافية بشكل دوري ليوجد المنافسة والابتكار وتمثيل سلطنة عُمان في التنافسية العالمية في قطاع الصناعات الثقافية.

وعن الأسس التي من المُمكن أن توجد الأفكار والمبادرات لمواجهة التحديات والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية في هذا الشأن تقول الهنائية: “إذا أخذنا المسرح نموذجا، فهناك شركات الإنتاج الفني التي تتنافس في تشكيل عروض مسرحية تستقطب قوى عاملة بشرية مؤهلة ومدربة، فهي بذلك تفتح سوق عمل يستطيع تهيئة بيئة فنية صحية تناقش مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتحولاتها بلغة فنية تصل للمتلقي بسهولة لأن المسرح ابن بيئته يخاطب الجماهير باللغة القريبة منهم، والمسرح يُسهم في صياغة الطموحات والآمال، وتتجاوز شهرة العروض المسرحية الجيدة ذات الصناعة المتقنة الحدود الجغرافية لتعبر المسرحيات للفضاءات الواسعة من خلال بث هذه المسرحيات في وسائل البث المرئية المختلفة. وبذلك أيضا توفر الدولة الكثير من الحلول لمشاكل الفراغ والأمراض والسلوكيات وتحفظ القيم والعادات المجتمعية الحسنة من خلال استغلال أوقات الناس بما هو مفيد وثقافي وممتع”.

وللدكتورة فاطمة بنت راشد العليانية، رئيسة صالون فاطمة العليانية، قراءة خاصة في كيفية تعزيز صناعة المنتج الثقافي في سلطنة عُمان، وهنا تقول إن الإمكانية حاضرة من خلال فتح الحوار والنقاشات واللقاءات والملتقيات والندوات التي تضم المثقفين والمفكرين في سلطنة عُمان، والاهتمام بتربية النشء على القراءة الناقدة وكتابة النتاجات الثقافية وتنظيم المسابقات التي تدعم روح التنافس بين الأفراد، وفتح عدد من الصفحات الإلكترونية التي تتيح للراغبين طرح نتاجهم الثقافي ويتم تنقيحه وإضافته من قبل اللجان المنظمة، وتفعيل دور الصالونات الأدبية والمكتبات الأهلية والمبادرات الثقافية لتسليط الضوء على أبرز النتاجات الثقافية وتسويقها للخارج، والعمل على ترجمتها، وتعزيز فكرة بيوت الثقافة التي تدعم التراث العماني وثقافته وتوصيل فكرتها عبر وسائل الإعلام ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وتفعيلها والدفع بها لدعم المنتج الثقافي العُماني وفتح قنوات تواصل تلفزيونية وإذاعية متنوعة، مع تكاتف الجهود بين وزارة الثقافة والرياضة والشباب وهيئة الوثائق والمحفوظات للعمل على تحقيق المخطوطات العُمانية وتقديمها للمنتج ومن ثم ترجمتها، والتوسع في المراكز الثقافية في سلطنة عمان؛ لتكون أداة استقطاب ثقافية داخليًّا وخارجيًّا.

أما فيما يتعلق بالأسس التي من الممكن أن توجد الأفكار والمبادرات لمواجهة التحديات والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية في هذا الشأن، فقد أشارت العليانية إلى التنوع الثقافي، إذ تتميز سلطنة عُمان بتنوع ثقافي أوجدته الهجرات إليها قديمًا، هذا التنوع شَكَّلَ تنوعا لغويًا بتنوع الجغرافيا، بالإضافة إلى الانفتاح الثقافي.

وتؤكد العليانية على الأمانة الفكرية في الطرح والنقاش، فهي تشير إلى أنه في ظل الانفتاح على الآخر لابد أن تُعزز قيمة الأمانة وتُغرس في فكر الأديب العُماني حفاظًا على الحقوق والملكية الفكرية لفكره وفكر الآخرين.

أما الفنانة عالية الفارسية، صاحبة جاليري عالية للفنون فتتحدث عن كيفية تعزيز صناعة المنتج الثقافي في سلطنة عُمان قائلة: “سلطنة عُمان زاخرة بالمنتجات الثقافية، والهوية العمانية تظهر جليا في مختلف الأشكال الفنية، كالمعمار، والموسيقى، والفن التشكيلي، والأزياء، وغيرها، مع ذلك، فإني أجد مساحة كبيرة لتطوير هذه الصناعة بحيث يتم اختزال هذه الأنماط الفنية المتباينة تحت مظلة نظامية، تحرك دفتها مؤسسة ذات أهداف واضحة”.

وتوضح الفارسية: “ما أعنيه أنه لو تمت مخاطبة الفنانين والمهندسين والنحاتين ومصممي الأزياء وغيرهم وتوجيههم نحو العمل لإبراز الهوية البدوية على سبيل المثال في العام المقبل، سيسهم ذلك في إيجاد صورة ذهنية للمواطن والسائح عن حجم هذه الصناعة في سلطنة عُمان، وستشكل هذه المنظومة أداة إعلامية توعوية جبارة على المدى الطويل”.

وعن الأسس التي من الممكن أن توجد الأفكار والمبادرات لمواجهة التحديات تبين الفنانة الفارسية: “الفن التشكيلي على سبيل المثال من أهم أركان هذه الصناعة في تنمية ما يعرف بالاقتصاد البنفسجي، حيث إن تسويق الفنون بالصورة الصحيحة له عوائد اقتصادية، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تقديم خطة سنوية بالمعارض والفعاليات التي ستنظمها وزارتا الثقافة والرياضة والشباب، والتراث والسياحة، وباقي المؤسسات المعنية بحيث يسهل التخطيط لذلك مع وجود تسهيلات لمشاركة الفنانين العمانيين، كما أن بناء مساحات فنية صغيرة في المدن التاريخية (جاليريات صغيرة) تعطى للفنانين المتميزين لعرض أعمالهم، فتخدم المنظر العام وتزيد من تنوع الحركة التجارية، وقيام كافة الجهات الرسمية باعتماد فكرة إهداء زوارهم وضيوفهم هدايا من أعمال الفنانين العمانيين، سواء كانت لوحات فنية أو منتجات مستوحاة من هذه الأعمال، مع إعطاء الفنانين فرصة لتزيين بعض المرافق العامة الباهتة كالجسور، وبعض القلاع، والمدن السياحية.

من جانبه يقول حميد العامري رئيس الجمعية العمانية للسينما والمسرح إن بعض الفعاليات الفنية المتمثلة في حلقات العمل المختصة في المجال الفني والمسابقات والمهرجانات في الجانب السينمائي تحفز الشباب على تقديم إبداعاتهم وتشغيل طاقاتهم الفنية وستسهم هذه المهرجانات في صقل المواهب التي سترفد مستقبلا الجانب الثقافي حيث استطاع الشباب العماني التواجد في المحافل المهرجانية وحصد الجوائز.