بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة التّكساسية (15)

بدر بن سالم العبري

في صباح الأربعاء في الثّامن والعشرين من أغسطس ذهبنا إلى مدينة أرفينج في تكساس، وتبعد عن النّزل حوالي خمسا وعشرين دقيقة، وفيها زرنا مؤسسة يقين للإبحاث والدّراسات الإسلاميّة، ومع المؤسّس ورئيسها الدّاعية الشّهير في أمريكا الدّكتور عمر سليمان، وهو من أصل فلسطيني، حيث وصلنا قرب التّاسعة صباحا، وبحثنا قليلا عن المؤسّسة حتّى اهتدينا إليها، وهي في الطّابق العلوي، ورحب بنا الدّكتور عمر سليمان، لنسجل معه حلقة يوتيوبيّة عن واقع المسلمين في أمريكا ضمن برنامج حوارات، الحلقة التّاسعة والخمسين في العاشرة صباحا، وبثت يوم الخميس في التّاسع والعشرين من أغسطس على قناة أنس اليوتيوبيّة.

في البداية تحدّث أنّ الهدف من هذه المؤسّسة هو إعادة صياغة الخطاب الفكري والدّيني تحت مظلّة القرآن والسّنة والآثار وفق المنظومة الإسلاميّة، لأنّ العديد من المتشددين يفسرون هذه المنظومة تفسيرا خاطئا، وننطلق من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24 – 25]، وكما ندرّس هذه المنظومة في جوّها التّقليدي؛ أيضا ندرسها في ضوء الوحدة الإنسانيّة، لنعمّق الصّفات الحسنة منها، كما في حديث: “خير النّاس أنفعهم للنّاس”، فنقدّم المنفعة العامّة على المنفعة الشّخصيّة، وهذه المنفعة مرتبطة بالإنسان على اختلاف دينه وجنسه وهوّيّته.

والمؤسّسة غايتها التّنقل من مرحلة الشّك إلى الإيمان ثمّ اليقين، ولهذا سميت مؤسّسة “يقين”، والمؤسّسة ليست مقتصرة على ولاية تكساس أو أمريكا فقط، بل مشروعنا في العالم أجمع، ونستقبل جميع الأفراد مهما كان عددهم ولو قل في أماكن ما، ولدينا مناهج مخصّصة في هذا، وعملنا ينطلق من قوله تعالى في وصف نبيّه محمّد – صلّى الله عليه وسلّم -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فهو رحمة للعالم أجمع.

والمتشددون عموما يعطون صورة سيئة عن الإسلام، حيث يقفون شكليّا مع النّصوص، ويتشددون في أمور واسعة، لهذا نحن نظهر دائما أنّ الإسلام دين محبّة وسلام، ونحث على الانفتاح على الآخر، ولهذا نجد في هذه المؤسّسة احتراما كبيرا من الحاخامات والقساوسة وغيرهم؛ لأنّها تعطي صورة حسنة عن الإسلام وروحه.

وفي الرّواية عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -: “سألتُ ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمّتي بالسّنة أعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها”، ويجسّد هذا قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46]، وفي هذا دعوة إلى عدم الفرقة والاختلاف.

وأكبر الاختلافات بين التّيارات الإسلاميّة في أمريكا شخصيّة أكثر منها مذهبيّة، كما يتعلّق بطريقة الخطبة والخطابة مثلا، مع الاتّفاق على الغاية، وأنّ للمسلمين هنا لقاءات مستمرة، خصوصا في المدرسة السّنية، كما يوجد لقاءات بين السّنة والشّيعة، ومؤسّستنا تعمّق الألفة والوحدة بين المسلمين أيضا، كما تعمّق ذلك مع الأديان والتّوجهات الإنسانيّة الأخرى، ومع غير الدّينيين والرّبوبيين أيضا، ونتعاون جميعا بلا تفريق في العمل الاجتماعي، وفي مساعدة الفقراء والمشردين.

وفي نظري الشّخصي أنّ العلمانيّة واللّبراليّة قادت إلى العديد من المشاكل كمشاكل الحربين العالميتين الأولى والثّانية، وهذه الحرب ليست بسبب الأديان، وقد راح ضحيتها أكثر من مائتين وخمسين مليون قتيل وجريح ومشرد، فضلا عن خراب الشّعوب، وهكذا إذا جئنا إلى التّخلف في العالم الإسلامي مثلا؛ ليس بسبب الإسلام، بل أحيانا العلمانيّة الغربيّة يهمّها وتسعى إلى تخلف العالم الإسلامي وخرابه، للاستفادة من خيرات هذه الشّعوب.

والإسلام عموما ساهم على طول التّأريخ في الجوانب العلميّة كالطّب والأدوية والهندسة والفيزياء، وكما ساهم الإسلام في الماضي؛ فهو قادر على المساهمة في الحاضر، ومؤسّستنا تقوم ببيان ذلك، وردّ مثل هذه الشّبهات والإساءات على الإسلام، مع تقديم الإسلام الصّحيح أيضا [وليس المشوه من الدّاخل].

وأنا أرى أنّ الظّلم والطّغيان واحد، جاء من قبل العلمانيين أو من قبل أصحاب الأديان، فإذا أردنا محاربة الظّلم والطّغيان علينا أن نحاربها من جميع الجوانب، لا أن نجعل الأديان الضّحيّة دائما.

وعموما من باب {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] أجد حال المسلمين في أمريكا أفضل من حالهم في العديد من الدّول الإسلاميّة من حيث الحريّات، ويتجسّد هذا في حديث النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -: “بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء”، والشّخص هنا يمكن أن يبدي رأيه بكل حريّة حتّى في القضايا السّياسيّة، فضلا عن القضايا الدّينيّة والمذهبيّة، وأنا كأمريكي – [وإن كنتُ مسلما من أصول عربيّة] – لي الحريّة الكاملة في نقد الحكومة الأمريكيّة وسياساتها، ولي الحق في تقديم الآراء والمقترحات، كما لنا الحريّة الكاملة في ممارسة الشّعائر والطّقوس.

نحن نعيش هنا مع العنصريّة ضدّ الأديان عموما من داخلها، وليس الإسلام فقط، فهناك من يمارس العنف والتّفجير ضدّ دور العبادة باسم الأديان، ونحن نناصر المستضعفين في كلّ مكان، في فلسطين وكشمير وبورما وغيرها.

وأنا أجلس شخصيّا مع جميع الأديان في أمريكا كإنسان مسلم، لا أتشكل من دين لآخر، وقد عورضت من قبل البعض من باب {وَلَا تَلۡبِسُوا۟ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَتَكۡتُمُوا۟ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} [البقرة: 42]، لكني أنا أجسّد القرآن، فأجلس وأتحاور واحترم الجميع، وبهذا أمر القرآن الكريم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، فنحن ننطلق جميعا من أشياء متفقة، ونعيش في مجتمع واحد، وهناك قضايا مجتمعيّة تهمنا جميعا، مثل قضايا الفقر والمشردين، وإذا جئنا إلى حلف الفضول قبل البعثة نجد النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – تعاون مع المشركين في المبادئ الكبرى في تحقيق المنفعة بين النّاس جميعا.

وأنا أيضا اقتدي بالإمام أحمد بن حنبل [ت 241هـ] عندما زاره قسّيس في مرض موته، ردّا للجميل الّذي قدّمه هذا الإمام لغيره من البشر، وإن كانوا غير مسلمين، وأنا شخصيّا شاركت في فيلم وضعت فكرته بنفسي مع قسّيس مسيحي، والفيلم بعنوان: شيخ وقسّيس وحلم، والحلم أي المحبة والألفة والتّعاون بين الجميع، ووقفت داعش ضدّي، واتّهمتني بالرّدة، وأنزلوا عليّ قوله تعالى: {وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} [التّوبة/ 12].

وفي ختام اللّقاء بيّن محبّته لعمان، وأنّه زارها أكثر من مرة، ولمّا كان ساكنا في الشّارقة زار عمان أكثر من مرة، فمسقط يزورها مرتين في السّنة، ويزور خريف صلالة، ومعجب بأخلاق أهل عمان.

بعد هذا ودعنا الدّكتور عمر سليمان لنتجه إلى منطقة رويل في دالاس، حيث عندنا موعد مع الكنيسة المعمدانيّة، أي المذهب البروتستانتي الكالفني المعمداني، والمعمدانيّة تعود إلى عام 1609م في إنجلترا إلى جون سميث وتوماس هلويز.
وصلنا الكنيسة في السّاعة الواحدة ظهرا، واستقبلنا القس مايك جريج، وهو القائم في الكنيسة، وهو رجل أنيق مبتسم، استقبلنا بترحيب كبير، وعرّفنا على الكنيسة، وتشبه الكنيسة المشيخيّة، ولا يوجد فيها تصاوير، وخيرنا في أيّ مكان نحب التّصوير، فاخترنا داخل الكنيسة أسفل المحراب، فسجلنا معه حلقة حواريّة يوتيوبيّة حول الكنيسة المعمدانيّة ضمن برنامج حوارات من الحلقة ستين في الثّانية ظهرا، وبثت يوم الأربعاء في الرّابع من سبتمر على قناة أنس اليوتيوبيّة.

في البداية تحدّث أنّ جون سميث وتوماس هلويز عاشا قريبا من فترة جان كالفن [ت 1564م]، ثمّ جاء روجر وليامز [ت 1683م]، وهو أمريكي نشر المعمدانيّة في أمريكا، وله مكانة كبيرة في الكنائس المعمدانيّة في أمريكا بشكل خاص.

وفكرة جون سميث وتوماس هلويز أنّ التّعميد يكون بعد البلوغ؛ لأنّ الشّخص عندنا له ولادتان: الولادة الأولى ولادة الخروج إلى هذه الحياة، والولادة الثّانية الإيمان والدّخول في المسيحيّة، وهذا يتطلب أن يكون حرا في دخوله في المسيحيّة، لهذا يكون التّعميد بعد البلوغ.

وعادة أسماء الكنائس المعمدانيّة حسب الشّارع الّتي توجد فيها، وأحيانا تعطى أسماء روحانيّة كالأمل والإيمان والمحبّة، وكل كنيسة معمدانيّة مستقلة، فليست تجارة تحت اتّحاد واحد؛ بل لكل استقلاليته، ولكل كنيسة حرّيتها في طقوسها وبرامجها، وهكذا في التّرانيم والموسيقي، فبعضهم يحبذ الموسيقى العصريّة، وبعضهم يحبذ الموسيقى الكلاسيكيّة، وأنا أحبذ الكلاسيكيّة؛ لأنّها تتوافق مع الجو الروحاني، ومن أراد العصريّة يجدها في أماكن خارج الكنيسة كالسّينما والمهرجانات.

ومع الاتّفاق بين الكنائس المعمدانيّة في التّعميد وقدّاس الأحد من حيث الخبز والخمر؛ إلا أنّها تختلف في طريقة ذلك، مثلا في التّعميد اختلفوا في سن المعمّد، وهل يرش عليه الماء أو يغطس فيه، وإذا مات الطّفل ولم يعمد هل هو في الجنّة أم لا؟، وأنا كما أسلفت قلتُ لا قيمة لهذا الاختلاف، ولا ينبغي الالتفات إليه، وكذا اللّباس عند القساوسة وطريقته يختلف من كنيسة معمدانيّة إلى أخرى.

ولا يوجد عندنا [كغالب البروتستانت] فكرة الأسرار السّبعة، فقط نركز على المعموديّة والعشاء الأخير، وتختلف الكنائس في وضع الخبز والخمر، بعض الكنائس تجعله في الأعلى أي في طاولة القربان، وبعض الكنائس توزعه على المؤمنين، وأنا أرى هذا رمزي، ولا أومن بالتّجسد الحقيقي إلى جسد ودم، إنّما هو يعطي جانبا رمزيّا روحانيّا ليصل إلى درجة الخلاص.

ولمّا دخل قسطنطين [ت 337م] المسيحيّة خصوصا، وفي الدّولة الرّومانيّة المسيحيّة عموما ظهرت خلافات عديدة، سبقها خلافات مع الآريوسيين والنّسطوريين، ثمّ بين الأرثوذوكس والكاثوليك، ونحن البروتستانت لا علاقة لنا بهذه الخلافات، ولا نهتم بها كثيرا، وليس لدينا فكرة الكهنوت أو البابا في المعمدانيّة.

وفكرة الكاثوليك الّتي تتمثل في وجود واسطة بين الله وبين النّاس عن طريق الكهنوت أو البابا، فلمّا جاء مارتن لوثر [ت 1546] نقض فكرة الواسطة، فالإنسان حر في اختياره، وهذا ما تبناه جون سميث ، وما يؤديه القس في الكنيسة أداء وظيفي وتنظيمي لا أكثر.

ويوجد في المعمدانيّة يمينيون أرثوذوكس، ويساريون لبراليون، ويوجد وسط بينهما، فاليمينيون الأرثوذوكس يأخذون بجميع ما في الكتاب المقدّس، ويعتبرونه أصلا لفهم حياة الإنسان، عكس اليساريين اللّبراليين وكذلك الوسط فيرون في الكتاب المقدّس ما هو ليس صحيحا، وهم يهتمون بحياة المسيح وتجسيدها [روحانيّا] في حياة النّاس.
ونحن نعتقد أنّ للمسيح طبيعة الإله والبشر معا، والجدل حول الأقانيم الثّلاثة تجد طريقها أحيانا في الكنيسة المعمدانيّة، وأنا أرى شخصيّا الأولى عدم الاهتمام بها، فليس المهم الجدليات حولها، ولكن المهم كيف وصل الله إلينا من خلال هذه الأقانيم الثّلاثة المتجسدة في رسالته إلينا.

ونحن لا نؤمن بسلطة الكتاب المقدّس، نعم بعض المعمدانيين يؤمنون بها، ويطبقونها حرفيّا، فهناك تعاليم في الكتاب المقدس لا تتوافق مع عصرنا، فلا ينبغي الأخذ بها.
وعندنا فصل كامل للدّين عن السّياسة، والغاية من ذلك حتّى لا تتدخل السّياسة في الدّين، وهذا ما وجدناه مثلا في الإنجليكانيّة تدخلت السّياسة في الدّين، وكنيستنا تهتم بالإحياء الرّوحي، ولا علاقة لها بما في السّياسة، ومن هنا يأتي مفهوم حريّة الضّمير، أي كلّ شخص حر في اعتقاده واختياره.

وفي الختام شجعنا على هذا العمل الّذي أقوم به، والتّعرف على الآخر، مبينا وجوب التّعرف والاستماع للآخر، وأن نتعلم منه، وهكذا كان السّيد المسيح – عليه السّلام -.
ثمّ ودعنا القس مايك جريج، والأصل عندنا موعد آخر مع المذهب الإسماعيلي من المسلمين الشّيعة ، إلا أنّه لم يصلنا يومها ردّ بتوكيد الموعد، مع موافقتهم سلفا لفكرة اللّقاء والتّسجيل، وهنا ذهبت إلى مول نورث بارك للغداء، ولأعمل برمجة للحلقتين، ثمّ نعود إلى النّزل، لنستعد للذّهاب إلى ولاية لوبوك – تكساس في ضيافة الأستاذ سعيد السّلماني، وتسجيل حلقة حول الواقع الافتائي في أمريكا مع الأستاذ سامر الطّباع كما سنرى في الحلقة القادمة.